وبعضهم قد يكون -يعني- جرحه يبني على أمر ليس بالجارح، فأحدهم مثلا حينما جرحه جرير بن عبد الحميد، جرح سماق بن حرب فحينما قيل له: لماذا جرحته؟ قال: لأني رأيته يبول قائما. فهل بمجرد البول قائما يجرح الراوي؛ لأنه أخذ بحديث جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه ما عرف أسباب الخلاف، فهناك -أيضا- حديث آخر يعارض ظاهر هذا الحديث، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى سباطة قوم فبال قائما فإذا كان سماق بن حرب رأى أن هذا الأمر جائز، ففعل كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فجرحه جرير بن عبد الحميد بهذا السبب، فهذا أيضا هو الذي يدعوهم إلى أن يقولوا: لا بد أن يكون الجرح مفسرا، فلو أخذ بجرح جرير بن عبد الحميد على الإطلاق؛ لقدحت سماق بن حرب، لكن حينما سئل لماذا جرحته؟ قال: لأني رأيته يفعل هذا -يعني- يبول قائما.

كذلك أيضا شعبة جرح المنهال بن عمرو، فحينما سئل لماذا جرحته؟ قال: لأني مررت أمام بابه، فسمعت في بيته صوت طنبور، الطنبور: من الآلات الموسيقية، فقيل له: هلا سألته عن ذلك الصوت! قال: لا لم أسأله.

فالمزي -رحمه الله- حينما ذكر هذه المقولة، عقب -مع الفارق الزمني بينه وبين شعبة- قال: قلت: هلا سألته! لعله كان لا يعلم، قد يكون في بيته سفيه، وليس بشرط أن يكون هذا الصوت -يعني- صادرا عن إقرار من المنهال بن عمرو لهذا المنكر في بيته.

ويعتبرون سماع الآلات من الأمور المحرمة القادحة في عدالة الرواة، بالإضافة إلى أن هناك عين توجيه آخر بهذه المسألة، عندما أقول: بأنه ليس المقصود الحديث عن الجرح الذي صدر من شبعه للمنهال بن عمرو، وإنما المقصود التوضيح في هذه المسألة.

يبقى أمر آخر -أيها الأخوة- وهو إذا ما استطعنا أن نميز، فوجدنا -يعني- عبارة صدرت من أبي حاتم الرازي في تضعيف راو، وهي تشعر بأن هذا التضعيف لأجل سوء حفظه كأن يقول: يكتب حديثه، ولا يحتج به، ثم معني ذلك أنه يرى أن هذا الراوي، ماذا يرى؟ أنه عادل، لكنه في حفظه شيء؛ ولذلك يكتب حديثه، ولكن لا يحتج به، ثم نجد هذا الراوي وثقه الحاكم وابن حبان، ثم نجد الإمام أحمد قال عن هذا الراوي: لا بأس به.

فالآن عندنا جاءت ثلاث مراتب، بعضهم وثقه، وبعضهم ضعفه وبعضهم جعله في مرتبة الوسط، وهي لا بأس به، فماذا نفعل في هذه الحال؟

هذا يعتمد على هذه المسألة التي سأل عنها أحد الإخوة، وهي اختلاف الأئمة في نقدهم الذي جاء، ومناهجهم في ذلك، فمنهم المتشدد، ومنهم المتساهل، ومنهم المعتدل، فإذا نظرنا لأبي حاتم الرازي -رحمه الله- فإذا به من المتشددين في الجرح، يجرح الراوي بأدنى سبب، وإذا نظرنا لابن حبان والحاكم، فإذا بهما من المتساهلين في التوثيق، وإذا نظرنا للإمام أحمد -رحمه الله- فإذا به من ماذا؟ من المعتدلين، فمثل هذا الراوي الذي صدرت له هذه الأحكام الثلاثة نقول: الوسط هو قول من؟ قول الإمام أحمد، وهو المعتبر لماذا؟ لأنه معتدل؛ ولأن في قوله ما يشعر بالفرق بين قول المجرح، وقول الموثق، فأبو حاتم الرازي نظر إلى جوانب الضعف في هذا الراوي، وابن حبان والحاكم نظرا إلى جوانب الإصابة في هذا الراوي، فكل منهما نظر إلى طرف من الأطراف فقط، ولم ينظر إلى العموم، فهذا حكم من هنا من هذه الزاوية، وذلك حكم من الزاوية الأخرى.

ولكن الإمام أحمد -رحمه الله- جاء في حكمه وسطا، فالأولى وهو الأصح في حق هذا الراوي أن يقال عنه: إنه لا بأس به، بمعنى أنه لم يرتق لدرجة الثقة الذي حديثه في عداد الحديث الصحيح، كما قال ابن حبان والحاكم، ولا ينزل للرجل الذي حديثه حديث ضعيف كما قال أبو حاتم الرازي، بل هو حديثه حديث حسن.

هذا الكلام كله -أيها الأخوة- في حال تعارض الجرح مع التعديل، لكن إذا جاءنا تعديل فقط فماذا نفعل؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015