إن لفظ "الإنبات" ليس له صلة باسطورة أو خيال وثني، وانما بربوبية وعناية ربانية واوضاع دقيقة المراحل، متنامية، ويمكن مشاهدتها خلف احدث الاجهزة العصرية وهي مثل قوله تعالى عن موسى النبي:" و"لتصنع على عيني" فهي صناعة عناية وتنمية، وحفظ وتربية، وتكوينوانشاء وتجدد. والقرآن يراعي في الصياغة البالغة الكمال مخاطبة الشعور والقلب والعقل والوجدان معا، يخاطب شعور الجمال والخيال في الإنسان لكن بصورة لاباطل فيها ابدا ولا بما يسمونه المجاز الرمزي الفارغ من الحقيقة التي يعرضها النص نفسه ويبطلونها بمجازات العلمانية الطائشة التي تخبط خبط عشواء.
يقول سيد قطب في "مقومات التصور الإسلامي" بعد أن ذكر آيات التفكر في الكون ومنها آيات سورة الرعد:"وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب وزرع، ونخيل،صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون":" وأمثال هذه التوجيهات كثير، لإيقاظ أجهزة الإستقبال والتلقي في الكيان الإنساني كله، لتدبر آثار القدرة في الأنفس والآفاق؛ لتقوم شهادة الإدراك الواعي إلى جانب شهادة الفطرة ولتقاوم النفس البشرية المؤثرات المضللة التي تنحرف إليها البيئات البشرية مرة بعد مرة على مدار التاريخ الإنساني، ومع وضوح الدلائل، وقوة البرهان، ووثاقة الفطرة فان الله سبحانه، رحمة بعباده، لم يشأ أن يكلهم إلى فطرهم وحدها، ولا إلى وعيهم وحدهم، ولا إلى خطاب الدلائل الكونية لفطرهم ووعيهم، ولم يشأ أن يجعل حسابهم مرتكنا إلى هذه الوثائق بذاتها، فأرسل إليهم رسلا يذكرهم، ويوقظون فطرتهم، وينبهون وعيهم إلى تلك الشهادات والدلائل المبثوثة في شتى مجالي الكون والنفس" (مقومات التصور الإسلامي، دار الشروق، الطبعة السادسة، 2006م، ص 276)
إن الجابري لم يكتفي بالتلميح او التصريح في محاولته الأخيرة في نقد القرآن، وإنما حاول ايضا تقديم "النقد اللاهوتي"، كما هو لفظه، ولكن كما قال هو "من خلالالقدماء"! وفي مرحلته الحالية (صدر هذا المقال قبل موته) يقوم به من خلال "انتقاء قول ورد في التفسير" لجعلهيدور في فلك خطته. ومسرى فريته وكمثال فإنه علق على قوله عز وجل: " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَاالذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر: 9) والذي هو، كما هو معلوم، وعد بحفظ القرآن، بقوله ان معنى الآية هو:""حفظ الرسول من الجنون الذي يتهمونه به" (فهم القرآن الكريم،القسم الثاني ص33). ويقول محاولا جعل مايمكن أن نطلق عليه اجماعا للأمة "هذا ويتمسك بعض الناس برد "الحافظون" الى القرآن كدليل على أنه لم ولن يتغير" ((القسم الثاني ص34) ذلك أن الوعد بعدم تغير القرآن يفسد خطة الجابري في هدم المرجعية الإلهية للقرآن، ,وحقيقة انها لاتخضع للتاريخية التي يحاول العلمانيون إخضاع القرآن لها! والعلماني يتمنى أن تُزال مثل هذه الوعود الإلهية كلها من القرآن فهي –وكافة معتقدات الاسلام وثوابت القرآن - عثرة أمام مشاريعهمالمادية. يقول الجابري داعماً لفكرته المسبقة عن الحفظ الوارد في الآية، أن مقصده هو حفظ الرسول، وليس حفظ القرآن، وأضاف:"وممن قال بهذا الفرّاء وابن الانباري (ذكره الرازي) " مع أن الرازي نفسه رفض هذا القول وقال بأن القول الأول الذي عليه أغلب أهلالتفسير هو الراجح، قال الرازي: "إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهرالتنزيل والله أعلم (تفسير الرازي، ج19، ص 164، دار الفكر، ط1) بل إن الجابري أخفى قول الرازي عن تحقق الوعد بحفظ القرآن ولم يذكره! (العلمانيون يتكلمون دائما عن الحجب والحذف والاقصاء والتعمية .. إلخ) مع ان الرازي بعد ان رجح القول بحفظ القرآن قال:" "ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية" (انظرتفسير الرازي ج 19 ص 164 (فالجابري ببساطة حجب حقيقة النص كما حجب الحقيقة التاريخية الملحوظة الى يومنا هذا، الا وهي حفظ النص القرآني من الضياع والتحريف.
¥