يقول عن آية "وقد خلقكم أطوارا" وأمثالها من الآيات القصيرة، انها من نفثات وسجع الكهان!، هذا فضلا عن أنه يغفل تفاصيل مراحل هذا الخبر العلمي الجامع التي ورد تفصيلها في سورة المؤمنون!، فإنغلق عليهم باب المعرفة!، وقد كشف الوحي القرآني هذه التلاعبات الاستشراقية الصبيانية بقوله عز وجل:" انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلايستطيعون سبيلا" (سورة الفرقان:9) نعم، سدوا على انفسهم الأبواب جميعا بالتعصب والإنغلاق المعرفي. فلايستطيعون سبيلا.

وكذلك يقولون عن التعبير القرآني عن "الإنبات" والوارد في سورة نوح، ويزيد الجابري على اتهامهم للقرآن، موضوع"التاريخية" والأساطير لزوم الحداثة!

وأما قول الله عز وجل" وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" (سورة نوح:17) فهو يعبر عن عمليات الخلق والتكوين والإنشاء والنمو والتجدد والرعاية الدائمة، ومعلوم أن نمو النطفة والعلقة وتطور مراحلهما في القرار المكين يشبه الإنبات من جهة النمو والتغير والتخلق والعناية والتطور والتدرج والمشهد، الأمر الذي نراه في عالم الإنبات وتعرضه الشاشات! فالعناية بالجنين في كل أطواره حتى نفخ الروح ومابعد ذلك فيه شبه بالإنبات الذي تراه الأعين في أنواع النبات ولو نظرت إلى هذه العملية المدهشة لنمو الجنين لحظة بلحظة لمادار بخيالك غير هذا اللفظ الدقيق "أنبتكم" او تذوق معناه وصورته من غير القدرة عن الاعراب عنه لفظا او الاعراب عنه بألفاظ قريبة. فاذا وقع نظرك على اللفظ القرآني وانت تنظر مباشرة للحدث الكبير وصوره فستجد التعبير عن مافي نفسك مسبوكا في القرآن بعناية ودقة وكمال.

والصورة المعروضة في القرآن في دقة عجيبة وتحديد حاسم وجرس نابض تُعرض في صياغة تعبيرية صادقة يندهش لها الإنسان العادي كما يندهش لها العالم في مختبره وخلف شاشاته الحديثة .. يندهش لها العالم وهو يتأمل، بكيانه كله، نمو الجنين خطوة بخطوة، لحظة بلحظة، ثانية بثانية، تحت مجاهره واجهزته وشاشاته المتطورة فاذا اراد ان يعبر عما يرد في شعوره المتنبه لعملية الإنماء والتنامي، وإذا أراد ان يعبر عن مايرد في وجدانه ويظهر اثره في نفسه ويحس بجرسه في قلبه وتندفع خواطره المتسارعة الى عقله مع استثارة حسية بالغة وايحاء عقلي لطيف عن كامل العملية من البداية حتى النهاية من زرع النطفة –والعلم يستخدم اليوم كلمة زرع! -وانبات العلقة وتنامي الجنين بمراحله او اذا اراد التعبير عما يقع في شعوره من الإيماء اليقظ، والايحاء الجميل فانه لايبعد كثيرا وهو صاحب العقل، وصاحب لغة الحقيقة والعبارة، عن لفظ القرآن لأنه يشهد أمامه،فعلا، عملية إنبات حقيقية تتم في تنامي وتطور، وفي قرار مكين، تتصل به كامل اجهزة التغذية والحياة!

وعملية نحت المصطلحات في العلم عملية شائكة ليست سهلة كما يتصور من أول وهلة، فقد يدور المعني في النفس ولاينطلق اللسان بتعبير جامع معبر عن الحقيقة بكل صورها، وقد يكون للحقيقة الواحدة أكثر من تعبير، فقد يكون التعبير عن شيء هو تعبير عن الإحاطة الخارجية به او تعبيرا عن صوره معينة من صوره، وقد يكون تعبير عن الإحاطة الداخلية به، وقد يكون عن مجموعة من التفاصيل أو العمليات كما أطلق الله تعالى لفظ النطفة على نطفة الرجل ونطفة المرأة معا مع أن هذه غير تلك الا انه لما جمعهما عملية واحدة اختلطا فيها، في أمشاج مختلطة، صارت النطفة واحدة .. وقد حاول المسلمون عبر العصور التعبير عن لفظ "الآية" الواردة في القرآن، فالقرآن هو "الآية" وهو لفظ جامع، حاولوا التعبير عنها بصور شتى، أوحى بأكثرها القرآن نفسه، والبعض الآخر كان يقترب احيانا من الحقيقة ويبعد احيانا (كالصرفة عند المعتزلة)، وقد عُبر عنها بالتحدي، المحفوف، عند البعض، بلفظ" العجز" الذي اقترن فيما بعد بلفظي الإعجاز والمعجزة، كذلك لفظ " المعارضة" وقد سموا "طلب المعارضة" (تحديا) لأن القرآن تحدى الناس أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور ثم بمثل سورة. وقد قام البعض بالمحاولة، أي الإتيان بمثل سورة من القرآن لكنهم أتوا بسخافات العقول ثم ظهر لفظ "المعجزة" وهي الآية الكاشفة عن عجز جميع الخلائق، المبطلة لجميع قدراتهم على مثلها كما قال الاستاذ محمود شاكر ثم تبلور معنى جامع ايضا وهو إعجاز القرآن، فلو نظرنا إلى نظم القرآن وتأليفه

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015