1 - كرّر الدكتور محمد شحرور خطأ المعتزلة في عدم التمييز بين المصطلحات والألفاظ، فالألفاظ التي تعرض لها الدكتور مثل: الكتاب، والقرآن، والنبي، والرسول، وأم الكتاب، والسبع المثاني الخ. . . لم تعد ألفاظ تحتاج إلى أن نستقرئ معناها اللغوي في المعاجم، بل علينا أن نستقرئ معناها في مصادر الشرع، لذلك فإنّ كل الفروقات والتمييزات والمعاني التي حاول أن يستنبطها الدكتور شحرور من معاني الألفاظ المعجميّة وحدها إنما هو أمر لا طائل تحته، وكل النتائج التي بناها على التفريق بين الكتاب والقرآن، وأنّ القرآن هو الآيات المتشابهات والسبع المثاني الخ. . . نتائج غير صحيحة لأن الشرع هو الذي حدّد مضمون هذه الألفاظ، وعلى كل من يريد أن يفهم الدين عليه أن يلِجَه من باب مصطلحاته الخاصة التي رسمها وحدّد معناها، وفي تقديري إنّ مثل هذه الخطوة طبيعية وهي من حق كل مذهب وعلم ودين أن يحدّد مصطلحاته الخاصة التي تكون مدخلاً له.
2 - حمّل الدكتور شحرور بعض الألفاظ معاني لا تسمح بها اللغة ولا سياق النص، ومن أمثلة ذلك تفسيره عبارة أم الكتاب التي وردت في ثلاثة آيات كريمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأضاف إلى ذلك تحديد مضمون تلك الرسالة وهي الحدود والأخلاق والعبادات وتعليمات خاصة وعامة، ولو فسّرنا كلمة "أم الكتاب" معجميّاً لوجدناها تعني "أصل الكتاب"، ولو استقرأنا الآيات التي وردت فيها تلك العبارة لوجدنا أنها تحتمل معنيين:
الأول: الآيات المحكمات. وذلك لقوله تعالى: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَرُ متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زَيْغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلِه وما يعلم تأويلَه إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذّكر إلا أولو الألباب " (آل عمران،7) وقد فصّلت كتب علوم القرآن تعريف المحكم وتعريف نقيضه المتشابه.
الثاني: اللّوح المحفوظ: وذلك لقوله تعالى: " يمحو الله ما يشاء ويُثْبت وعنده أُمّ الكتاب " (الرعد،39) ولقوله تعالى: " وإنّه في أُمّ الكتاب لدينا لعليّ حكيم " (الزخرف،4).
وفي كلا الحالين يتّضح تحميل الدكتور شحرور للفظ "أم الكتاب" معاني لا يحتملها التحليل اللغوي ولا سياق النّص، وممّا يزيد في اعتسافه أنه حدّد الآيات المحكمات بالحدود والأخلاق والعبادات، لكنّه يمكن أن تكون الآيات المحكمات في صفات الله تعالى، أو بعض آيات الجنّة والنّار الخ. . . كقوله تعالى: " قل هو الله أحد " (الصمد،1)، وكقوله تعالى: " لم يلد ولم يولد " (الصمد،3)، وكقوله تعالى عن الجنّة: " لا يمسُّهم فيها نصب " (فاطر،35) الخ. . .
3 - اعتسف الدكتور شحرور في التفسير اللغوي لبعض الألفاظ، فهو قد اعتبر قول القائل "سبحان الله" إقراره بقانون هلاك الأشياء -ما عدا الله- نتيجة التناقض الذي تحويه داخليّاً، وهو قد استهزأ بكل التفسيرات التي تعتبر قول المسلم "سبحان الله" بمعنى تنزيه الله عن كل نقص وعيب، ووصفه -تعالى- بكل صفة كمال، وكانت حجّته في ذلك أنّ النقائص والعيوب تحمل مفهوماً نسبيّاً، ولا أدري ما الذي يضير المعنى عندما ينزّه المسلم الله عن كل عيب مطلق أو نسبي؟! ولكن هناك قضية أخرى بالإضافة إلى اعتساف الدكتور في مجال المعنى هي أنّ عبارة "سبحان الله" تتألّف من مضاف ومضاف إليه، والتي تعني إضافة شيء إلى ذات الله، والواضح أنّ صيغتها النّحويّة لا تسمح بتفسيرها إلا بالمعنى الذي قال به علماء التفسير وهو إضافة التنزيه لذات الله، ولا تسمح صيغتها النّحويّة بالمعنى الذي ذهب إليه الدكتور شحرور.
ومما زاد في خطأ استنتاجه وأحكامه في أحيان كثيرة رفضه للسنة كمبيّن ومقيّد ومفصّل لآيات القرآن الكريم، ليس هذا فحسب بل اعتباره تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام هو اجتهاده غير الملزم لنا في شيء، وهو فهمه الخاص المرتبط بالمستوى المعرفي للجزيرة العربية، وهو فهم نسبي، وهو في هذا يلتقي مع كثير من الفئات المنحرفة التي عادت السنة المشرفة قديماً كالمعتزلة والخوارج، ويلتقي مع كثير من الشخصيات التي هوّنت من شأن السنة حديثاً ودعت إلى طرحها جانباً: كحسين أحمد أمين، ومحمد أبو القاسم حاج حمد الخ. . .
¥