يُعرف عن الباحث السوري أحمد إدريس الطعان صرامته في الدفاع عن القرآن الكريم في وجه ما يُطلق عليه ‘’الخطاب العلماني’’. في هذه الحلقة من الحوار معه يفتح الطعّان أسئلة بقدر ما يُجيب على الأسئلة، فـ ‘’هل القرآن الكريم نزل للبشر ليكون عقيدة وتشريعاً يمكن تطبيقه في الحياة أم أنه نزل لمجرد الترف الفكري والتأمل العقلي والأدبي المجرد؟ ’’، وهل من حقنا ‘’تجاهل الإحالات التي يؤكدها القرآن الكريم دائماً لفهمه وتنزيله؟ ’’ مثل اللغة العربية والسنة النبوية؟ يذهب الطعان في الخلاصة إلى أن ‘’المناهج الحديثة بمقدار ما تكون مفيدة ونافعة في حفز الفكر على التأمل والتجديد، تكون وبالاً إذا نُقلت من وظيفتها الإبداعية هذه لتكون أداة تقويلية أو تحريفية في النصوص الدينية’’.
في الوقفة الحوارية الأخيرة مع الطعان، يقول بأن النبي (ص) ‘’لم يجعل من نفسه إلا لبنة في البناء، تقوم به لبنات متراصة، لتشكّل بناء متماسكاً قوياً’’، إلا أن واقع الحال اليوم ليس على هذه الشاكلة كما يتأسّف الطعان، ويرى بأنه باتت ‘’تسيطر علينا عقلية المنقذ الأوحد’’، وليس العمل الجماعي المحفوف بروح الفريق التواضع والتعاون. ويتطرّق الطعان في هذه الوقفة لقضية الغرب والشرق، ويُقدّم في ذلك وجهة نظر تقوم على تسليب الغرب والتشكيك في وجهه الحضاري اليوم. وفيما يلي نص الحوار:
؟ العلاقة الجدلية بين الإسلام والغرب لا تزال قائمة في المشهدين الإسلامي والغربي معاً، وعلى الرغم من محاولات الاحتواء ومؤتمرات الحوار والتفاهم، إلا أنّ العلاقة الجدلية هذه بقيت تفرز الكثير من الآثار المنفّرة. كيف تحللون هذه العلاقة ومواصفاتها الحضارية القائمة اليوم؟
- كما نلاحظ العلاقة المطروحة اليوم هي العلاقة بين الإسلام والغرب، وليس بين الشرق والغرب أو بين الإسلام والمسيحية، فلماذا تسود هذه العبارة ‘’ الإسلام والغرب’’؟ لقد كان يمكن أن تكون العلاقة بين الشرق والغرب على نحو آخر لولا الاستغلال النفعي للدين، فقد أرادت الكنيسة منذ مئات السنين أن تخلق عدواً في مواجهتها لكي تشغل الناس بالالتفاف حولها، وهذا ما تفعله الإدارة الأمريكية اليوم حين تضخّم من خطر الإرهاب وخطر الإسلام حتى تكسب تعاطف الشعب الأمريكي، ومن هنا ظل الغرب دائماً يتطلع إلى الشرق على أنه خصم ولم يملّ من محاولة الهيمنة والاستغلال، فلا يخفق في حملة عسكرية حتى يشرع في التجييش لحملة أخرى، ولم تكن هذه العلاقة قاصرة على الحملات العسكرية، بل كان يرافق ذلك حملات أخرى من الاستشراق والتنصير مارست دورها في مزيد من التشويه والطمس والمسخ، فكانت الهوة تزداد بشكل دائم بين الشرق والغرب.
؟ وكيف يمكن للغرب أن يقبل الشرق؟
- لن يقبل الغرب الشرق شريكاً في إعمار واستثمار الكون، ولن يقبله نداً في الإنسانية، ولكنه سيقبله بمقدار ما يحقق له مصالحه ويؤمّن له رفاهيته، ويقبل منه عنصريته، والأصوات التي تتحدث اليوم عن الإسلام كشريك جاءت متأخرة فضلاً عن كونها خافتة في وسط الصخب الإعلامي الإمبريالي.
العالم في مأساة
؟ ألا تبدو أنك تخرج كثيراً على فكرة التفاؤل؟
- إن مجرد نظرة سطحية إلى العالم اليوم ومنذ عقود طويلة تكشف لك عن مأساة العالم اليوم، والمأساة التي جرّ الغرب إليها العالم، وكم هي الهوة سحيقة بين بني البشر، الملايين يموتون جوعاً وفقراً في الشرق بينما غيرهم ينعمون بالرفاهية في الغرب، الأطفال في الشرق أقرب إلى الهياكل العظمية، بينما أطفال الغرب يتقلعون سمناً وشبعاً، في مثل هذا العالم الذي تغيب فيه العدالة والإنسانية والمساواة لا يمكن الحديث فيه عن الأمان والطمأنينة ولا يمكن الحديث فيه عن السلام والمحبة إلا إذا كان ذلك على شكل شعارات مجردة أصبحت مملة ومهترئة.
؟ فمتى إذن سيكون الغرب طيباً وشريكا؟
- لن يكون الغرب طيباً إلا إذا أفلس، وهو في الطريق إلى ذلك، ولن يكون شريكاً إلا إذا شعر أن مكاسب الاستبداد والهيمنة والقوة في خطر ولا بديل إلا بقبول الشراكة والندية مع الشرق ‘’ الإسلام ‘’. حين تتلاشى مخالب الغرب ‘’ تخور قواه ‘’ وتشيخ حضارته، عندئذ يبدأ بجدية يتحدث عن الأخلاق والإنسانية والعدالة والحرية، ويسهم مع الشرق عندئذ في تحويل الشعارات التي ظلت خلبية طوال قرون عديدة إلى واقع ممكن، أو على الأقل واقع محتمل.
¥