الهمجي النبيل أفضل
؟ لكن .. ماذا عن الوجه الحضاري للغرب؟ التكنولوجيا ودولة الرفاهية؟
- يتحدث الكثيرون الذين بهرهم سحر الغرب اليوم عما قدّمه الغرب للبشرية في مجال التكنولوجيا والرفاهية وكل ما يخدم الإنسانية في المجال المادي، ولا يملّون من التغني بالحضارة الحديثة، لكن هؤلاء يغمضون أعينهم عن الكوارث والمآسي التي جلبتها هذه الحضارة! ولا أدري لماذا تطغى مكاسب هذه الحضارة على كوارثها في أعينهم مع أنه هناك شبه إجماع بين المراقبين والمحللين على أن هذه الحضارة إذا لم تُرشّد فإنها تسير إلى هاوية لا يمكن التنبؤ بمدى أخطارها على البشرية. لقد شاهدنا منذ فترة قريبة إطلاق مركبة فضائية أمريكية في نفس الوقت الذي كانت فيه تتداعى قضية الجندي الأمريكي الذي اغتصب فتاة عراقية صغيرة وقام بقتلها وقتل كل أفراد أسرتها، المسحورون بالغرب يرون أن إطلاق المركبة الفضائية وما يرافقها من منجزات علمية لصالح البشرية تغطي على حادثة الاغتصاب والقتل تلك!
؟ إلا أن ذلك لا يغيّب المنجزات الحضارية للغرب؟
- لكن المنطق الإنساني يقول بأنه إذا كانت منجزات الحضارة والعلم ستوظف لفرض القوة والهيمنة والقتل والاغتصاب فإنه من الأفضل للبشرية أن تعود إلى حياة ‘’الهمجي النبيل’’ الذي تحدث عنه جان جاك روسو.
الإسلام ليس عدوا
؟ وما هي نظرتكم إلى طبيعة الاندماج الذي تمثله النخبة الإسلامية في بلدان الغرب وطبيعة الفكر الإسلامي الذي تصدر عنه (مثال طارق رمضان)؟
- إن ما تمارسه النخبة الإسلامية المثقفة في الغرب في غاية الأهمية لأنه إحدى الوسائل المجدية لتغليب معادلة الشعوب على الساسة، فحتى هذه اللحظة لا تزال النسبة الغالبة من الشعوب الأوربية خاضعة لثقافة التشويه والمسخ التاريخية التي مارستها الكنيسة والاستشراق قديما والإعلام فيما يخص الإرهاب حديثاً بالنسبة للإسلام، وأبرز مثال على ذلك معارضة النسبة الأكبر من هذه الشعوب لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي توجساً من غالبيتها المسلمة، وإذا استطاعت هذه النخبة أن تُوصّل رسالة الإسلام الغضة الطرية التي ليلها كنهارها، وأن تخرق الحجب الكثيفة التي نسجها تحكّم العداء وتراكم الأخطاء أمام الشعوب الأوربية؛ فعندئذ ستدرك هذه الشعوب أن الإسلام ليس عدواً، وأن المسلم ليس وحشاً، ولعلها عندئذ تسهم في تعديل كفة السياسة المنحازة ضد الإسلام والمسلمين وقضاياهم.
العمل والجماعية
؟ هل لديكم ما تضيفونه في نهاية الحوار؟
- أحب أن أعيد التذكير بأهمية المبادرة العملية، وأن يعي صناع القرار في بلادنا جسامة المسؤولية الملقاة على عواتقهم، فعليهم أن يباشروا الآن قبل فوات الأوان؛ التضحية بالمصالح الشخصية لحساب المصالح الوحدوية والجماعية والمستقبلية. التعاون هو المفتاح السحري للنجاح والقوة والحضارة، والفرقة والتشرذم هما النافذة المشرعة التي يدخل منها العدو والذل والهوان والتخلف. تأمّل معي في حديث نبوي شريف ‘’مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأجمله وأكمله إلا موضع لبنة منه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون به ويقولون لو وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين’’.
هذا الحديث يضع أمامنا مثالاً رائعاً للعمل الجماعي والتواضع والانخراط في روح الفريق دون تردد، فالنبي (ص) يجعل من نفسه لبنة في بناء النبوة، هذا البناء الذي أسهم في بنائه إخوانه من الأنبياء جميعاً. أين هذا من علماء هذا الزمان وحكام هذا الزمان؟! فالعالِم اليوم لا يرضى أن يكون لبنة في بناء، بل لا بد أن يكون هو البناء كله، لا يرضى إلا أن يكون أوحد دهره وفريد عصره ومن لم يَجُدِ الزمان بمثله! وكذلك كل حاكم اليوم يعدّ نفسه هو محور التاريخ والقائد الوحيد، والمنقذ الفريد! ولذلك تجد عبارات التمجيد قد نفدت من القواميس في البلدان العربية لكثرة أصحاب الجلالة والفخامة والعظمة المتفردين الذين يتفنن المتملقون في تمجيدهم وتبجيلهم! والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين.