- في كثير من الأحيان نحن بحاجة فقط إلى صياغات جديدة تلبي طموحات العقل الإنساني إلى المعرفة وتخرجه من الحالة النسقية السطحية التي تسبّب ضجراً لبعض العقول المتلهفة إلى رؤى إبداعية في وسط هذا الزحام الهائل من الأفكار. التجدّد في الإسلام هو أن تظل الأمة على وعي من أن هناك محوراً ومركزا عليها أن لا تبتعد عنه، وهذا المحور والمركز هو الكتاب والسنة. هما بمثابة الراية في وسط المعركة، يشدّ الجنود أنفسهم إليها ويتطلعون إليها. هذا هو المعيار الذي تقرأ الأمة نفسها من خلاله حتى لا تشط عن طريق الهداية.

المسلمون قوّالون والغرب يفعل

؟ لكن أين هو مجال العمل الفكري في هذا التجديد؟

- ليس التجديد المراد اليوم هو في كثرة التنظير ومؤتمرات الحوار وكثرة المشروعات والاجتهادات والرؤى، وإنما في شيءٍ واحد مُهدر في الغالب هو ‘’العمل’’. المسلمون اليوم شغلهم الغرب بمئات المؤتمرات والندوات من دون أن تلاحظ أي جدوى لذلك، لأن الغرب يمسك بزمام المبادرة وهي الممارسة والتطبيق، أما المسلمون فمشغولون بالتنظير والتقرير. والغريب أن هذا المطب هو أهم أمرٌ حذّر منه القرآن الكريم في آيات كثيرة فالقرآن يقول ‘’يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون’’. لا توجد قيمة حث عليها القرآن كقيمة العمل ‘’وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون’’، لأن الغاية الأساسية التي يريدها القرآن منا هي العمل والمبادرة إلى السلوك الصحيح والتطبيق السديد ‘’إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه’’. وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن بشكل يمكن معه القول بأن محور الدعوة القرآنية بعد الاعتقاد هي العمل. ولكن الواقع بعكس ما يريده القرآن، فالمسلمون اليوم منخرطون في مؤتمرات الحوار والأقوال التي تصرف عليها الملايين بينما ساحات الأعمال وميادين المعركة الحقيقية فارغة.

؟ وأين تكمن المشكلة؟

- المشكلة أنه حين خلت الساحة العملية امتلأت الساحة القولية، فالكل قادر على الكلام والترديد والتنميق، ولعل هذا هو الذي حذّر منه رسولنا الكريم (ص) حين قال ‘’هلك الثرثارون، هلك المتشدقون، هللك المتنطعون’’. كثرة في الكلام، وتشدّق بالمصطلحات الغريبة، وانبهار باللغة الجديدة ومحاولة محمومة لإبداع مصطلحات ولغة جديدة غير مفهومة قائمة على الترميز والخلط، مع نماذج كثيرة للعجرفة والامتلاء بالأنانية والشعور النخبوي والنظر إلى الآخرين من أبراج عاجية .. وهذا هو التنطع، أي التكبر الذي مر ذكره الآن في الحديث الشريف.

المسؤولية التاريخية للأمة

؟ ألا يفهم مما سبق أنك ضد الاجتهاد ومراجعة الأطر النظرية بشكل مستمر؟

- لا، هذا مطلوب، ولكن بشرط ألا يطغى جانب على آخر، وما ألاحظه اليوم هو الطغيان الشديد للجانب التنظيري على الجانب العملي. والحقيقة أن التجديد إذا أُريد له أن يكون حقيقياً وعصامياً لابد أن ينطلق أولاً من الإحساس بالمسؤولية التاريخية للأمة، ومن ثم بمسؤوليتها الحضارية والوعي بحاجاتها وضروراتها ومن ثم إدراك متطلبات اللحظة الواقعية مع الإنسان والكون والحياة. والحال التجديدي اليوم أن كثيراً من المنظرين ينطلقون من هموم الآخر ومسؤولياته ومتطلباته لمعالجة واقع وهموم وقضايا وإشكالات مختلفة تماماً.

؟ هل يمكن التفصيل في نماذج المجددين اليوم؟

- هناك من يعدّ المعيار الوحيد للتجديد هو الواقع، فما يتلاءم معه هو الصواب بغض النظر عن حقيقة هذا الواقع ومدى صلاحه أو فساده، يعني أن يصبح الواقع هو الحاكم المطلق، وفي الغالب فإن الواقع الذي سيفرض نفسه هو واقع الأقوى وبالتالي فهو الذي سيمتلك زمام الحكومة أما واقعية الأوساط الضعيفة والفقيرة فستظل منبوذة ومنظوراً إليها على أنها تخلف ورجعية بغض النظر عن الحسن والقبح الذاتيين، أي يصبح التحسين والتقبيح ليس للعقل ولا للشرع وإنما للواقع، والواقع هنا ليس أكثر من غطاء لبراغماتية الأقوى الذي يمتلك القنبلة النووية بيد ويبرز باليد الأخرى لائحة حقوق الإنسان والعدالة والحرية كما يفسرها هو طبعاً.

هكذا تكلم العلمانيون

؟ وماذا عن أولئك الذين يمارسون التجديد باختراق اللا مفكر فيه؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015