وَالْمُغَالُونَ فِي حُبِّ الشَّافِعِيِّ لَمَّا رَأَوْا هَذَا الْقَوْلَ لَا يَلِيقُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي مَهَّدَ هَذَا الْفَنَّ وَرَتَّبَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ أَخْرَجَهُ، قَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ هَذَا الْعَظِيمِ مَحْمَلٌ، فَتَعَمَّقُوا فِي مَحَامِلَ ذَكَرُوهَا، انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ السُّنَّةَ شَرْعٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا أَنَّ الْكِتَابَ شَرْعٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 1، وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي الْقُرْآنِ، فَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْهُ ثُبُوتًا عَلَى حَدِّ ثُبُوتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقُرْآنِ فِي النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا فِي الشَّرْعِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 2، لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ مَنْسُوخًا مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ سَيُبَدِّلُهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوْ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وَمَا أَتَانَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَهُوَ كَمَا أَتَانَا مِنْهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 3 وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} 4.

قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: لَمْ يُرِدِ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقَ السُّنَّةِ، بَلْ أَرَادَ السُّنَّةَ الْمَنْقُولَةَ آحَادًا، وَاكْتَفَى بِهَذَا الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي السُّنَّةِ الْآحَادُ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَالصَّوَابُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يُوجَدَانِ مُخْتَلِفَيْنِ إِلَّا وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِثْلُهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَهَذَا تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ، وَأَدَبٌ مَعَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَهْمٌ لِمَوْقِعِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ، وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَقَعْ عَلَى مُرَادِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ فَهِمُوا خِلَافَ مُرَادِهِ، حَتَّى غَلَّطُوهُ وَأَوَّلُوهُ. انْتَهَى.

وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قِيلَ: إِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ نَسَخَتِ الْقُرْآنَ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} 5 الآية، وقوله تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} 6، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} 7 الآية مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ "عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ"8، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 9، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الدِّبَاغِ10 عَلَى نِزَاعٍ طَوِيلٍ في كون ما في هذه الآيات منسوخة بالسنة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015