وسط عمره، وحين الحال حويل، والمال مويل، والعلم نزر، والقهم ناقص، والبلاغة خلق، والكتابة شمطاء؛ فلما أخذت أحواله تتّسق، وأسباب فضله تستوسق ضُرب في بدنه بالعلل الشديدة، والأمراض المختلفة، وسُلب لذّة المطعم والمشرب، وبقيت حسرة النّعمة في نفسه إلى أن عطب؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه على قلة الإنعام منها.

قال: ولهذا تجد آخر جيد العقل، صحيح البدن، محمود البيان، ولكنك تجده مع ذلك شديد الفقر، سيء الحال، مرحوم الجملة. وعلى هذه الجديلة كل من اعتبرت حاله، وعرفت ما سلبه مما وُهب له، وما أُعطيه مما حُرمه، وهذا ليكون العبد أبداً في منزلةٍ من النقص، وحالٍ من العجز يكون بهما ضارعاً إلى خالقة، طالباً لعنايته من مالكه، وليكون بين العبد المعجون من الطّين وبين الله مُدبّر الخلق فرق.

وذهب في هذا الفضل كل مذهب، وشفى كل غليل، وأبكى كل عين، وكان ذا قوة عجيبة في هذه الطّريقة، وذا اطّلاع إلى أسرار الخافية.

فأما حديثي معه، فإن حين وصلت إليه قال لي: أبو مَن؟

طور بواسطة نورين ميديا © 2015