وأما ما جاء في رواية ابنه عبدالله أن أحمد سئل عمن ترك شهراً قال يعيدها.

فيقال: جوابه من وجهين:

الأول: أنه لا يلزم من القول بالقضاء القول بعدم الكفر، فإسحاق بن راهوية يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، ومثله عبدالله بن المبارك.

وإن كان قولهما لا يستقيم من جهة الخبر، فقد روى محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة من حديث عبدالعزيز ابن أبى رزمة عن ابن المبارك أنه شهده وسأله رجل عن رجل ترك الصلاة أيام وقال: فما صنع؟ قال: ندم على ما كان منه، فقال ابن المبارك: ليقضى ما ترك من الصلاة، ثم أقبل علي فقال: يا أبا محمد هذا لايستقيم على الحديث.

الثاني: إنَّ هذا ليس بصريح، وحكاية عامة، فالترك قد يكون بجهل الوجوب، كالمرأة التي يخرج منها الدم الفاسد، ولا تستفتي تفريطاً منها، وتظن أنَّه حيضٌ، وهو دم فساد، هل يجب عليها أنْ تعيد تلك الصلاة؟ عليه يحمل قول أحمد، ومن ذلك من ترك الصلاة شهراً وهو غير واجد للماء وهو على جنابة ويظن أن التيمم لا يرفع الحدث الأكبر، ومن ذلك من ترك الصلاة شهراً لعدم القدرة على استعمال التراب والماء.

ويحمل المتشابه من قوله على الصريح مما نقله عنه عامة أصحابه.

وأما الإمام مالك فلا أحفظ عنه نصاً ولا قولاً، بكفر تارك الصلاة، أو عدم كفره، وإنمَّا هي حكايات، ونقول تنسب إليه، إلا قتل تاركها نص عليه عنه ابن عبدالبر في "التمهيد" وعن ابن القاسم عنه في "البيان والتحصيل".

والمشهور عنه عند أصحابه أن تارك الصلاة ليس بكافر، وهذا الذي ينقله عنه جماعة من أصحابه، بل جماهير أصحابه، كما نقله عنه ابن رشد وابن عبدالبر.

ونقل ابن رشد في كتابه "المقدمات والممهدات" وفي "حاشية المدونة" عن مالك كفر تارك الصلاة، وقيده بالإصرار، وكأنَّه يذهب إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن من ترك صلاة أو صلاتين أنَّه لا يكفر، بإخراجه لحديث نصر كما تقدم الإشارة إليه.

وقد عد الشنقيطي في "أضواء البيان" الرواية عن مالك بالتكفير ضعيفة.

ونقل الطحاوي عنه كما في "المختصر" أنه يقول بردة من ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها ما لم يقضها، ونقول الفقهاء من المالكية عنه أصح و أرجح من نفول غيرهم، فهم أعلم الناس بمذهبه.

وأما الشافعي رحمه الله فلا أحفظ عنه نصاً صريحاً أيضا بعدم كفر تارك الصلاة وإنْ كان أصحابه ينقلون عنه عدم كفر تارك الصلاة، وقد نص على هذا القول وحكاه عن الإمام الشافعي جماهير أصحابه كالصابوني في "عقيدة السلف" والنووي في "المجموع" وجماعة.

ونقل بعض الأئمة عن الإمام الشافعي أنَّه يرى كفر تارك الصلاة، كما حكاه عنه الإمام الطحاوي في "مشكل الآثار" وكذلك في "مختصر اختلاف العلماء" بل نقل عنه كفر من ترك صلاةًَ واحدة حتى يخرج وقتها.

وقد أشار الشافعي إلى عدم التكفير وفي قوله عموم، وهو ما جاء في كتابه "الأم" قال (لو أن رجلاً ترك الصلاة حتى يخرج وقتها كان قد تعرض شراً إلا أن يعفو الله).

يعنى تحت المشيئة، ولا يكون تحت المشيئة بالعفو أو العقاب إلا المسلم المسرف، ومن نفى القول بالكفر عنه مطلقاً ففي قوله نظر، ولعل مراده هنا هي الصلاة الواحدة حتى يخرج وقتها كما هو ظاهر مذهب أحمد ولذا قال: (لو أن رجلاً ترك الصلاة حتى يخرج وقتها) ولعل هذا قول له آخر غير ما ذكره الطحاوي عنه، أو أن ما نقله الطحاوي مقيد بعدم القضاء.

ثم إن ذكره لخروج الوقت دليل على أن مراده الصلاة الواحدة، ولو كان مراده الترك بالكلية لما كان لذكر خروج الوقت فائدة كبيرة.

وأما أبو حنيفة فالمشهور عنه عدم التكفير، ونقله عنه جماهير أصحابه، منهم الإمام الطحاوي في كتابه "المشكل" وكذلك في كتابه "مختصر اختلاف العلماء" وإلى هذا ذهب شيوخه كحماد بن أبي سليمان وغيره.

وقد ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" مناظرة بين الإمام أحمد وبين الإمام الشافعي في مسألة كفر تارك الصلاة أن الشافعي و أحمد تناظرا فقال الشافعي: يا أحمد أتقول إنه يكفر؟

قال: نعم.

قال: إذا كان كافراً فبما يسلم؟.

قال: يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه؟.

قال: صلاة الكافر لا تصح و لا يحكم له بالإسلام بها؟.

فسكت الإمام أحمد.

وهذه حكاية منكرة، وليس لها إسناد، وقد أوردها السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بصيغة التمريض، وهذه المناظرة فيها من ضعف الاستدلال، وضعف الحجة مما لا يليق بهذين الإمامين.

وترك الصلاة ليس من خصال أهل الإيمان بحال، ولهذا قد ذكر ولي الدين أبو زرعة ابن العراقي في أوئل كتابه "طرح التثريب":

(عن بعض علماء المغرب، فيما حكاه له صاحبه الشيخ الإمام أبو الطيب المغربي، أنه تكلم يوماً في ترك الصلاة عمداً، ثم قال: وهذه المسألة مما فرضها العلماء، ولَم تقع، لأن أحداً من المسلمين لا يتعمد ترك الصلاة، وكان ذلك العالم غير مخالط الناس، ونشأ عند أبيه مشتغلاً بالعلم من صغره، حتى كبر ودرَّس فقال ذلك في دروسه).

وعلى كل: فهذا القول وغيره يدل على أنَّ ترك الصلاة ليس من خصال أهل الإسلام بحال، ويكفي التشديد في النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكايات التكفير عن الأئمة من السلف والخلف وهي كثيرة أشهر من أنْ تذكر. وقد تقدم جملة منها.

وجزاكم الله خيراً.

والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015