"شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية": يقال بأنّ الزيتون الذي يتعرض طوال النهار لضوء الشمس يكون زيته أشد صفاءً وبهاءً. وعندما تكون الشجرة شرقية تتعرض لضوء الشمس في الصباح دون المساء، وعندما تكون غربية تتعرض لضوء الشمس مساءً دون الصباح. وحتى يمكن أن تتعرض للشمس طوال النهار لا بد أن تكون في موقعها لا شرقية ولا غربية. ولذلك صور أمثلها أن تكون في رأس جبل.

"شجرة مباركة زيتونة": فزيت الزيتون كان يستخدم على مدى القرون في إنارة المصابيح. وفرق بين زيتونة وزيتونة، وزيت وزيت، فهذا زيت: " يكاد زيتها يضيء"، فمن شدة صفائه وبهائه يكاد يُضيء بنفسه. وصفاء الزيت بالإضافة إلى لونه البهي يجعله ينير ويتلألأ لأدنى ضوء يمسه.

"شجرة مباركة زيتونة": والنبتة تكون شجرة عندما تنمو وتتفرع. وعندما يكون النمو والتفرع في الاتجاه السلبي تكون شجرة خبيثة، وعندما يكون النمو والتفرع في الاتجاه الإيجابي تكون الشجرة مباركة. ولم يشهد القرآن لشجرة بالبركة كالزيتونة التي يطول الكلام حول منفعتها للبيئة والبشر. وقد مثل القرآن الكريم للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، جاء في الآيتين 34 و 35 من سورة إبراهيم:" ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون".

"نور على نور": فهناك أكثر من عنصر في هذا المثال المادي المتكامل، وكلها عناصر تجعل المثال مثالياً في إعطاء صورة ذهنية للنور الرّباني مقابل السورة الحسّية للمثال؛ فهناك مصباح تحيط به زجاجة شفافة صافية بهية، وهناك وقود صافٍ بهيّ متلألئ مستمد من شجرة تتوافر لها كل الشروط المطلوبة لعطاء فيّاض، فهي شجرة مباركة مبارك أصلها ومثالي موقعها. كل ذلك في مشكاة مهمتها جمع شتات النور وتوجيهه في الاتجاه المطلوب ليحقق الهدف.

هذا هو المثال المادي الذي يقرب لنا الصورة الذهنية لأمر غير مادّي. فلننظر ما يقابل كل عنصر من هذه العناصر المادّية في عالم المعنى:

أولاً: المصباح: يقابله العقل البشري. فالعقل نور، لأنه وسيلتنا لإدراك حقائق الأشياء، وقد خلقه الله تعالى لينير لنا.

ثانياً: الزجاجة: يقابلها النفس البشرية؛ فعندما تكون النفس مُدنسة بالمعاصي فإنها تنعكس سلباً على عطاء العقل، تماماً كما يحصل عندما تتراكم الأتربة والأوساخ على سطح زجاجة المصباح. وتربية النفس وتزكيتها تؤدي إلى صفائها وبهائها بحيث تزيد من نور العقل وقوة الإدراك، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بحقائق الكون الجوهرية، أي المتعلقة بأمور الدين والطريق على الله تعالى. فالله سبحانه غاية شريفة لا يصلها الإنسان إلا بوسائل شريفة على خلاف حقائق الكون المادّية.

ثالثاً: الشجرة المباركة التي لا هي شرقية ولا هي غربية: يقابلها الوحي. فالوحي لا ينسب إلى جهة أرضية، بل هو سماوي علوي، ثم هو عطاء إيجابي مبارك لا ينتهي عند حد. وإذا كان زيت الشجرة المباركة يكاد من صفائه وبهائه أن يضيء ولو لم تمسسه نار، فإّن الوحي ينير لك ويهديك حتى قبل أن تُعمل فيه العقل والفطرة. وعليه نقول:

العقل مصباح ينير لنا ويوصلنا إلى إدراك الحقائق ولكنه يبقى قاصراً عن تحقيق المطلوبات، فلا بد من تزكية النفس أيضاً ليتكامل نور العقل والنفس.

لقد اهتم الفلاسفة بالعقل وأهملوا تزكية النفس فبقيت الفلسفة قاصرة عن هداية الإنسان إلى جوهر الحقائق. واهتم بعض أهل التصوف بتزكية النفس وتقاصروا عن الاهتمام بالعقل. وعليه فالنهجان قاصران عن تحقيق التربية المثلى، فلا بد من التربية المتكاملة للعقل والنفس معاً. وحتى هذا لا يكفي، بل لا بد أن يستمد العقل من الوحي، ولا بد أن تكون تزكية النفس على أساس من الوحي أيضاً.

فالفلسفة بعيداً عن هدى الوحي ضلال ومتاهات، والتصوف بعيداً عن المنهج المستمد من الوحي ضلالات وهيام على غير هدى.

إذن: لا بد من الاهتمام بالعقل والنفس معاً، ويجب أن يكون الاستمداد من الوحي، أي من تلك الشجرة المباركة التي لا تنتمي إلى أي اتجاه أرضي، والتي تعطي وتُمد بلا انقطاع، بل وتهدي كل من يستند إليها ويستمد منها ولو لم يكن من أهل الاستدلال والنظر.

وعلى الرغم من كل ذلك لا تكتمل الصورة ولا تجتمع كل الأنوار، حتى يتوافر العنصر الرابع:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015