وقال الإمام البيضاوي في تفسيره: "وبعد، فإن أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا علم التفسير الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها ومبنى قواعد الشرع وأساسها لا يليق لتعاطيه والتصدي للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها وأصولها وفروعها وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعه" [8]، وتكرر ذكر سبعة علوم يحتاجها المفسر، هي: علوم اللغة، والنحو، والبلاغة، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والقراءات.

واستمرت هذه العلوم بالتطور، مع ربط بينها وبين القرآن، إلى أن جاء القرن الثامن الهجري وظهر اصطلاح علمي خاص يجمع أصول هذه العلوم التي تدور حول القرآن وما يحتاجه المفسر، ويعرِّف بها في علم واحد هو"علوم القرآن"، وذلك مع الإمام بدر الدين الزركشي، (ت794هـ) ‍، صاحب "البرهان في علوم القرآن"‍، فكان أول من ألف في علوم القرآن بمعناها الاصطلاحي الذي يختص بجمع ضوابط العلوم المتصلة بالقرآن الكريم من ناحية كلية عامة، ففيه عرض شامل وموسوعي لعلوم القرآن؛ حيث اختصر ما ضمنه فيه من معلومات من كتب التفسير واللغة والفقه وغيرها، فجمع آراء العلماء وأضاف إليها، وقد ذكر العشرات من أسماء الكتب والمؤلفين الذين نقل عنهم، فكان كتابه عصارة لفكرهم مضافا إليها ما رآه الزركشي أو رجحه، لذلك كان كتابه فريدا في موضوعه من حيث كونه أول كتاب يشتمل على مختلف علوم القرآن ويعرف بها، ودرج من بعده الحديث عن علوم القرآن كمصطلح خاص.

أصول التفسير: نحو علم يضبط التأويل

كان من بين القضايا التي تطرقت إليها كتب علوم القرآن شروط المفسر، والأصول والقواعد والضوابط التي يحتاجها المفسر، وهي موضوعات سبق وتطرقت إليها كتب خاصة، وهي بعض ما غدا يعرف حديثا بـ"أصول التفسير"، أو ما كان يسمى "القواعد الكلية" حسب ابن تيمية، أو "قانون التأويل" حسب تسمية الغزالي وتلميذه ابن العربي، أو "علم التفسير" حسب تسمية الطوفي.

فأصول التفسير مبحث تفرقت موضوعاته في مقدمات بعض المفسرين لتفاسيرهم، وفي كتب علوم القرآن وكتب اللغة وأصول الفقه، ويتناول دراسة الشروط الواجب توفرها في المفسر، والعلوم التي يحتاج إليها المفسر، وأهم قواعد التفسير، اللغوية والأصولية والاستقرائية، فموضوعه "قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه" [9]، فهو أحد علوم القرآن، وقد ضمن المصنفون -المتقدمون والمتأخرون- في علوم القرآن موضوعاته ضمن كتبهم، فثمة تداخل بين أصول التفسير وعلوم القرآن، لكن علوم القرآن أشمل، وقد تتوسع بعض كتب أصول التفسير إلى مسائل من علوم القرآن، كما أن من علوم القرآن ما لا علاقة لها بالتفسير، إنما هو من قبيل الإحصاء والتوثيق والتأريخ، وأهم وظيفة يؤديها علم أصول التفسير هي ضبط الاستنباط والفهم، والترجيح عند الاختلاف؛ إذ فيه الأسس والقواعد التي يعرف بها تفسير كلام الله، والشروط والمقدمات العلمية التي يحتاجها المفسر.

وقد أصبح البحث عن أصول للتفسير والتأويل هاجسا لدى المشتغلين بالتفسير حديثا، وقد اهتم به من المتأخرين المعلم عبد الحميد الفراهي الهندي [10]، لكن هذا المشروع لم يكتمل مساره، برغم كثرة اللبنات في بنائه؛ إذ المطلوب من هذا العلم أن يعمل في التفسير ما عملته أصول الفقه في الفقه، وأصول الحديث في الحديث، أي أن يصبح هذا العلم بمثابة قانون يضبط العملية التفسيرية، ويصونها من أي شكل من أشكال الانحراف، حتى إذا حصل شيء من ذلك سهل بيانه وكشفه، ومن ثم ضبطه ورده.

لكن عدم اكتمال بناء أصول التفسير كعلم لا يعني عدم وجود تلك الأصول والضوابط والمعايير التي لا بد من معرفة المفسر بها، والتي تمثل كليات في العلوم التي يحتاجها المفسر، لذلك كانوا يشترطون لمن يمارس التفسير أن يكون عالما بتلك العلوم، لكن العلم بها لا يغني عن استخلاصها وتجريدها كمبادئ ذات صلة مباشرة بالتفسير.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015