وقد سارت الحضارة الإسلامية وتعاقبت طبقات التاريخ بين مد وجزر إلى أن آلت إلى مراحل تراجعت فيها المعرفة، دون أن تنهار العلاقة القدسية مع النص، لكن هذه العلاقة أخذت النص إلى مسار مختلف لم يأت من أجله، فجعلت منه كتابا يحوي كل العلوم، واتجه التأويل لاستخراج العلوم منه دون لحظ طبيعة النص وخصائصه والرسالة التي جاء من أجلها، فحل الإسقاط على النص محل الاستمداد منه، وتم نفس الأمر لدواعٍ أخرى مذهبية أو سياسية أو غيرها، بوعي أو بدونه، لكن هذا الإسقاط متنوع المظاهر والدواعي لا يلغي وجود صلة ما بين النص وبين المجالات التي تم ربطه بها، على أن هذه الصلة ينبغي أن تؤخذ ضمن مسارها الطبيعي المرتبط بمسار النص كحامل للرسالة الخاتمة، وبهذا المعنى نفهم كلام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من أراد العلم فليثور القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين". رواه البيهقي في المدخل وقال: أراد به أصول العلم [4].

التفسير: حاضن العلوم ومخدومها

مما يعزز الصلة بين القرآن والمعرفة عموما الأثر الذي تركه القرآن في مختلف العلوم والمعارف، بل أصبح علم التفسير هو الحاضن الأساسي للعلوم التي ولدت في الحضارة الإسلامية، فعاشت تلك العلوم في كنفه إلى أن بلغت الرشد واستقلت بذاتها، وأصبحت علما له قوانينه التي لا بد لدارس القرآن من معرفتها.

فلئن ولد التفسير كعلم في أحضان علم الحديث؛ إذ كانت المرويات المتعلقة بتفسير القرآن تمثل جزءا أساسيا من كتب الحديث، كما أن السنة النبوية بمجملها تمثل مصدرا من مصادر فهم القرآن، فإن الصلة لوثيقة ابتداء بين التفسير وكتب الحديث وعلومه؛ إذ توثيق الرواية هو الأساس كي تصلح لتفسير القرآن على أساسها، كما أن علم رواية الحديث وتدوينه إنما تأخر ريثما انتشر القرآن مدونا، فكان مبدأ التوثيق سابقا في جمع صحف القرآن التي كتبت في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

من جهة أخرى، كان من حِكم نزول القرآن الكريم عربيا أن يفهمه من أنزل عليهم، فكان العرب والمسلمون يتلقون القرآن ويفهمون معانيه بما يمتلكونه من فصاحة وبلاغة، وبرغم أن القرآن قد جاء بلغة العرب إلا أنه تضمن معاني جديدة لبعض المفردات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبينها، كما أن التراكيب القرآنية تدل عليها، ومع توسع البلاد ودخول الأعاجم ظهرت الحاجة للضبط اللغوي لفهم القرآن، فظهر الاهتمام باللغة العربية وعلومها كالنحو والبلاغة والمعاجم، وكان ذلك لصيقا بالحاجة إلى فهم القرآن، فولدت فروع في علوم اللغة خاصة بالقرآن، كغريب القرآن وإعجاز القرآن والوجوه والنظائر، ولم يعد ممكنا الفصل بين دراسة اللغة والقرآن الكريم، فكان للقرآن أثره الواضح في الحفاظ على اللغة العربية وتطوير علومها.

ومع تطور المجتمع وتشعب القضايا والمستجدات ظهرت الحاجة إلى ضبط قواعد الاجتهاد وكيفية استنباط الأحكام من النصوص، فتم تأسيس علم أصول الفقه لبيان كتاب الله واستنباط الأحكام منه؛ انطلاقا من كونه مصدر الأحكام، قال الإمام الشافعي في كتابه الرسالة: "فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" [5]، وكان أول عنوان في كتابه البيان، فكانت ظروف تدوين علم أصول الفقه لصيقة باستنباط الأحكام من القرآن وتفسيره.

ومع ظهور إفراد تفسير القرآن بالتأليف في القرن الثاني للهجرة، بدأت تظهر حاجة المفسرين إلى العلوم الأخرى، بحسب موضوعات القرآن، بل ولد من رحم تفسير القرآن علوم جديدة اختصت بالقرآن الكريم، وذلك في ضوء الحاجة إلى ذلك، فظهر رسم القرآن وتاريخ المصاحف، وعلم القراءات ومعاني القرآن، وأسباب النزول، وغيرها من العلوم التي ظهرت تباعا.

وكان هناك إلحاح على ضرورة إلمام المفسر بهذه العلوم، واستخدامها في التفسير؛ حيث كان ثمة حاجة إليها، حتى قال الإمام ابن عطية الأندلسي في مقدمة تفسيره: إن كتاب الله "لا يتفسّر إلا بتصريف جميع العلوم فيه" [6]، وعدد الإمام أبو حيان الأندلسي سبعة من وجوه العلوم لا ينبغي أن يقدم على تفسير كتاب الله إلا من أحاط بجملة من كل وجه منها [7].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015