وتكمن خطورة هذا الاتجاه في جعل النص تابعاً للمتلقي حيث تنقلب عملية التبليغ إلي اتجاه معاكس. فبدل أن يتجه المعنى من النص إلى القارئ، فإنه يتجه من القارئ المزود برؤى قبلية ومعانٍ جاهزة إلى النص الذي تنتهك بنيته التركيبية والدلالية ليفصح عن معانٍ غريبة عنه وربما متناقضة معه، وسنحاول من خلال هذه الخطاطة إيضاح الاتجاه الطبيعي للمعنى والاتجاه المعاكس له:

الاتجاه الطبيعي للرسالة الاتجاه المعاكس للرسالة:

- المرسل (الله) المرسل (الله)

- الرسالة (القرآن) المتلقي (العارف) الرسالة (القرآن)

- المتلقي (المؤول) المتلقي (المؤول)

ومن خلال الخطاطة يظهر أن الوضع الطبيعي للرسالة ينقلب من خط عمودي إلى دائرة يتكرر فيها حضور المتلقي مرتين: المرة الأولى التي تمثل المرجعية الجاهزة والخلفية الفكرية للمؤول، والمرة الثانية حيث يستثمر تراكيب النص ومقاصد المرسل للدفاع عن أفكار مرجعيته، وإبراز أن المعاني القبلية الموجودة في ذهنه هي نفسها التي يحملها النص ويدعو إليها أو يبقيها ويتبرم منها، وذلك بحسب موقف المؤول منها قبولاً أو رفضاً، فالمعرفة العقلية إذاً سابقة على النص.

وقد أدى هذا المنحى التأويلي إلى عدِّ القرآن مصدراً رمزياً تستند إليه كل فرقة في دفاعها عن أ فكارها وتصوراتها حتى ظهرت في تراثنا آراء عدمية تؤكد قبول النصّ لكل التأويلات، ليس فقط المتقاربة بل وحتى المتناقضة منها.34

وفي العصر الحاضر حيث هيمنت التصورات العدمية، تسربت إلى الفكر النقدي العربي مقولات الاستقلال الدلالي للنص، وانفتاحه لكل القراءات وحرية المتلقي في تحطيم سياق النص لصالح سياق المتلقي. وسنحاول أن نلخص أصول هذه المقولات وأهم الانتقادات التي وجهت إليها ثم نشير إلى بعض النماذج العربية في هذا المجال.

* الأصول النظرية لنظرية التأويل:

إن ما نقصد الكشف عنه هنا هو الحلقات الواصلة بين التصورات النقدية في المجال الأدبي وأصولها الاعتقادية، وسنرى كيف تختلط مجالات التأويل الديني والأدبي بعضها ببعض، وكيف تأثّر النقد الجديد في الغرب ببعض الاتجاهات الدينية في التأويل.

يشير ستيفان كوللّيني Stifan Collini إلى هذه المسألة، فالتأويل في نظره ليس نتاج النظريات الأدبية في القرن العشرين، بل إن المعارك والخلافات حول إظهار خصائص هذا النشاط تعود إلى تاريخ طويل في الفكر الغربي، تلك المعارك التي نتجت عن المهمة العظيمة لتأسيس كلمة الله.35 ويرجع نيوتن Newton سبب هذا الارتباط إلى مركزية الدين في الثقافة، هي مركزية تحملنا على "الاعتقاد بأنه ربما كانت المساجلات المهمة –في القرن العشرين- حول التأويل وقد انطلقت من فضاء الدين ومنه إلى الأدب."36

لقد كان السؤال الملح في الغرب هو كيف ينبغي النظر في الإنجيل؟ هل ينبغي النظر إليه في لغته الخاصة أم تقتضي قراءته التوسط بقبول مذهب الكنيسة؟ 37

وهنا جاءت إجابة مارتن لوثر مزعزعة للنظام التأويلي القائم ومحتجة عليه، فقد دعا لوثر إلى الحرية في قراءة الإنجيل. "لقد كان لوثر هو الأول الذي انخرط في طريق مذهب تعدد المعني في الكتاب المقدس، وهذا يعني أن كل اختلاف في التأويل هو معطىً سلفاً وموجود في النص، وقال بهرمينوطيقا متعددة الطرق في التأويل تفيد في فهم تاريخ التاويلات بصفتها تداولاً لآفاق الماضي والحاضر."38

لقد كان المذهب البروستانتي إذاً عاملاً حاسماً في نشأة نظرية الاستقلال الدلالي للنصوص ( Semantic autonomy) وهي نظرية "أخرجت للضوء الهوة بين المعنى الحرفي للنص وسياق التطورات والأحداث."39

إن المستفيد الأول من هذا التحول في الفكر التأويلي الغربي هو المتلقي، إذ انتقل الاهتمام من النص إلى القارئ ومن الارتباط بالمعنى التاريخي إلى الإيمان بالمعنى الذاتي ونسبيته المطلقة. وتم تحطيم المرجع الذي تحاكم إلى أساسه التأويلات وأقيمت مقامَه مرجعيات متعددة بتعدد الذوات المؤولة وهو ما يسميه ( Todorov) بالعدمية إذ يقول: "إن العدمية تجيء بالطلع من انهيار العقائد المشتركة للمجتمع. وهو لم يكن في يوم من الأيام كونياً لأننا نعلم أن هناك مجتمعات مسيحية وإسلامية وبوذية ... أما الشيء الذي حصل بمجيء ديكارت والثورة الصناعية والتغيير الحديث للعالم فهو النزعة الفردية ( Individualism)، فقد راحت الهوّيات الجماعية الكبيرة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015