والقول الثالث - الفصلُ بين ما علمه، وبين ما لم يعلمه. فما علمه لم يصحّ البراءةُ فيه؛ لأنه بكتمانِه، وتركِ ذِكره منتسِبٌ إلى التدليس، والتدليسُ محرَّمٌ، فلا يستحق صاحبُه حطَّ الخيارِ عنه.
والتوجيه مستقصى في الخلاف. ونحن نذكرُ منه ما يتعلّقُ بترتيبِ المذهب.
فأما من قال: إنّ البراءة لا تصح، فمعتمده شيئان: أحدُهما - أن خيارَ الردّ بالعيب يثبت شرعاً في مقتضى العقد، فشرطُ نفيهِ تغييرٌ لموجَب الشرع، والثاني - أن العيوبَ الممكنةَ مجهولة، فلئن كانت البراءة من المرافق، فلتكن معلومةً كخيار الشرط، والأجَل، والرهن، والكفيل.
ومن قالَ بصحة البراءة على العموم، فوجهه أن الشرط يتضمن إسقاطَ حقٍّ، وفي إسقاطه استفادةُ لزومِ العقد.
ومن فصَّل، استدَلَّ بمذهب عثمانَ، أولاً، وأشار إلى ما ذكرناه من الانتساب إلى التدليس في صورة العلم.
ثم من يسلك طريقةَ الأقوال يستدل بأن الشافعي أشار إلى الأثر والقياس، ومذهبُه في القديم اتباعُ الأثرِ، وتركُ القياس له. وهذا يخالف رأيَه في الجديد.
فإن قال قائل: لم يبد [نكيراً] (?) على عثمانَ، فمذهبه في الجديدِ أنه لا يُنْسَب إلى ساكت قول.
ومن أصحابنا من قالَ: مذهب الشافعي هو التفصيل الموافق لمذهبِ عثمانَ، وقد صَرَّح بذلك في صدر الباب. وما ذكرهُ في آخر الباب إشارةٌ إلى وجهِ القياس، وليس مذهباً له.