الفقيه أبو محمد يحيى بن يحيى الليثي، المتوفى سنة 234هـ (848م) رحل إلى المشرق وعمره ثمان وعشرون سنة، وبعد عودته إلى الأندلس عادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه1 ورغم مكانة الفقيهين عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى إلا أنهما كانا يمتنعان عن الإفتاء إذا قدم إلى قرطبة أبو موسى عبد الرحمن بن موسى الهواري حتى يرحل عنها2. وذلك إجلالاً لقدره واعترافاً بسعة علمه وفضله.
ورغم هذه المكانة السامية للهواري إلا أنه لم يتولى رئاسة أهل الإفتاء، ولعل السبب في هذا يعود إلى عوامل منها أنه ربما لم يكن أسن نظرائه، إذ أن عامل السن مهم في هذا الأمر، كذلك لم يكن من سكان قرطبة إذ كان يقيم ببلدة استجة، إضافة إلى أن للعلاقة التي بينه وبين إمارة قرطبة أثر في هذه المسألة.
الفقيه أبو مروان عبد الملك بن حبيب، اشتهر بالعلم والرواية في بلده البيرة، وسمع الأمير عبد الرحمن الأوسط به وبفضله، فأمر بنقله إلى قرطبة، فتولى فيها زعامة الإفتاء مع الشيخ الفقيه يحيى ابن يحيى، وبعد وفاته سنة 234هـ (848م) انفرد ابن حبيب برئاسة الفتيا من بعده إلى أن أدركته الوفاة في أوائل أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن سنة 238هـ3.