وبعد الفراغ من بناء المسجد النبوي بنيت بيوت أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم على شاكلة بناء المسجد (?) . وكانت إلى جنب المسجد قصيرة البناء متقاربة (?) . ولم يكن في المسجد النبوي حين بني منبر يخطب الناس عليه، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب وهو مستند إلى جذع عند مصلّاه، ثم اتخذ له كرسيا بدرجتين (?) .

وواجه المسلمون المهاجرون من مكة الكثير من المصاعب الصحية الناجمة عن اختلاف المناخ، ذلك أنهم لم يكونوا قد اعتادوا على البرودة القاسية، والرطوبة العالية وقد تفشت بينهم الحمى، وينقل البخاري مرويات عن بعض كبار الصحابة من المهاجرين الذين أصابهم المرض، وكان أبو بكر الصديق ممن أصيب بالحمى (?) . ويذكر عنه أنه إذا أخذته الحمى كان يقول:

كل امريء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

وكان بعض الصحابة يظهرون السأم من الإقامة في المدينة بسبب ذلك ويشتاقون إلى العودة إلى مكة، وذلك ما كان يشعر به بلال الحبشي- رضي الله عنه- فكان إذا ما انتهت دورة الحمى التي كانت تأخذه ينشد (?) .

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل

وحين علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك من أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة» (?) . وقال أيضا:

«اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم» (?) .

لقد صارت الهجرة فرضا واجبا على كل مسلم في تلك المرحلة من أجل نصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوته ومواساته بالنفس، وتعزيز وتقوية معسكر الإيمان، والابتعاد عن الفتنة من الكافرين، ولقد استمر الحث على الهجرة وبيان فضل المهاجرين بنزول الآيات القرآنية، واستمر معها تدفق المهاجرين من كل مكان. وتتابعت الآيات بالأمر

طور بواسطة نورين ميديا © 2015