السير، فكان إذا غابت الشمس نزل فصلى المغرب، فلما كان تلك الليلة ظننا أنه نسي الصلاة، فقلنا له: الصلاة، فسار حتى إذا كاد أن يغيب الشفق نزل فصلى، وغاب الشفق ثم قام فصلى العتمة، ثم أقبل علينا فقال: هكذا كنا نصنع مع رسول الله - عليه السلام -".

قوله: "استصرخ" على بناء المجهول، وقد فسرناه.

قوله: "إذا جدّ بنا السير" من جدّ يَجِدُّ ويَجُدّ بالضم والكسر، وجدّ به الشيء وأجد، والمعنى: إذا أسرع بنا السير، يقال: جدّ في السير إذا اهتم به وأسرع.

والمفهوم من الحديثين: أنه صلى المغرب في آخر وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا.

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكل هؤلاء يروي عن نافع أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، فقد ذكرنا احتمال قول أيوب عن نافع: "حتى إذا غاب الشفق" أنه يحتمل قرب غيبوبة الشفق، فأولى الأشياء بنا أن نحمل هذه الروايات كلها على الاتفاق لا على التضاد، فنجعل ما روي عن ابن عمر أن نزوله للمغرب كان بعد ما غاب الشفق، على قرب غيبوبة الشفق إذْ كان قد روي عنه أن نزوله ذلك كان قبل غيبوبة الشفق، ولو تضاد ذلك لكان حديث ابن جابر أولاهما؛ لأن حديث أيوب إنما فيه أنّ رسول الله - عليه السلام - كان يجمع بين الصلاتين، ثم ذكر فعل ابن عمر كيف كان، وفي حديث ابن جابر صفة جمع رسول الله - عليه السلام - كيف كان؛ فهو أولى.

ش: أشار بهؤلاء إلى أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر والعطاف بن خالد؛ فإنهم كلهم رووا عن نافع: أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، وأما أيوب السختياني فإنه روى عنه: "فسار حتى غاب الشفق" وقد قال فيما مضى آنفًا: إنه يحتمل أن يكون معناه: فسار حتى قرب غيبوبة الشفق، فبهذا التأويل يندفع التضاد بين الروايات، وهذا أولى؛ لأن حمل الروايات كلها على الاتفاق خير من أن تبقى على التضاد.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015