الشفق، ومثل هذا يقع في الكلام كثيرًا حتى في كلام الله -عز وجل- كما في قوله تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (?) فبعد بلوغ الأجل الذي هو العدّة لا يتصور الإمساك؛ لأنها تبين من زوجها حينئذ، وإنما معناه: فإذا شارفن على بلوغ الأجل وقربت منه، وها هنا كذلك بعد ما قرب غياب الشفق، هذا الذي قاله الطحاوي، والذي قلته أنا أيضًا له وجه حسن، وهو أن المراد من قوله: "بعد ما غاب الشفق" هو الشفق الأحمر الذي يكون قبل الأبيض؛ وذلك لأن الشفق نوعان: أحمر، وأبيض، كما هو معروف بين أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وكان نزول ابن عمر - رضي الله عنهما - بعد غياب الشفق الأحمر، ووقت المغرب حينئذ باقٍ، على قول من يقول: الشفق هو الأبيض، فيكون قد صلى المغرب في وقتها، ثم صلى العشاء في أول وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، فيكون جامعًا بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا؛ فافهم.
فبهذين الجوابين يسقط جميع ما وجَّهه البيهقي في كتبه من أن الجمع بينهما كان بعد غياب الشفق؛ لأن الروايات متعارضة ظاهرًا، فلا يرتفع التعارض إلا بما ذكرنا، ومن جملة ما أورد: حديث جابر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه مضى حتى إذا كان من آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق". ثم قال: وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن خالد، عن نافع، وهذا لا يتم به مُدَّعَاه؛ لأنه قال: "حتى إذا كان من آخر الشفق".
فالمفهوم منه أنه صلى المغرب قبل غياب الشفق، ثم صلى العشاء وقد توارى الشفق، وهذا بعينه ما ذهبنا إليه من أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الآخرة في أول وقتها.
والذي يؤيد هذا ما رواه أبو داود في "سننه" (?): من حديث محمد بن فضيل، عن