ولما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن .. وإما كافر .. وإما منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بخلاف ما كانوا وهو بمكة، فلم يكن هناك منافق، ولم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في المدينة في قبائل الأنصار.
فإن مكة كانت قبل الفتح بيد الكفار وهم زعماؤها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، والمدينة آمن بها أهل الشوكة والزعامة، فصار للمؤمنين بها عزة ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإسلام من الكفار انكشف أمره، وبطل كيده ومكره، فظهر النفاق، واحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان وشعائره مع أن قلوبهم لم تؤمن: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)} [التوبة: 101].
وجميع العبادات مركبة على الرخص، فبدل الوضوء التيمم عند الحاجة، والفطر بدل الصيام في السفر، وقصر الصلاة وجمعها في السفر، والصلاة للمريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب .. وهكذا.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} [الشرح: 5، 6].
أما الدعوة فهي مركبة على العزيمة كما قال سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 78].
وقال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)} [الفرقان: 52].
وحاجة البشرية للدين أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، بل أعظم من الهواء والتنفس؛ لأنهم بفقد الهواء والتنفس يفقدون الحياة الدنيا، وبفقد الدين