لكن عسكرة المجتمع الإسرائيلي لا تعني هيمنة المؤسسة العسكرية عليه وتغلغل عناصرها في الهيكل السياسي والاقتصادي للدولة الصهيونية وإنما هو أمر أكثر عمقاً. ومن يدرس الظواهر الإسرائيلية ابتداءً من النظام التعليمي وانتهاءً بأكثر الأمور تفاهة، سيُلاحظ الأبعاد العسكرية خلفها. فالبُعد الاستيطاني مرتبط تماماً بالبُعد العسكري، والهاجس الأمني (أي محاولة قمع السكان الأصليين) يسيطر على السياسة العامة في كل القطاعات، وعلى سلوك الإسرائيليين، بل على أحلامهم وأمراضهم النفسية، فالمجتمع/القلعة لابد أن يكون مجتمعاً عسكرياً يحاول أن يحتفظ بالمادة البشرية في حالة تأهب عسكري دائم، إذ يُحتِّم البقاء حسب الشروط الصهيونية قَهْر العرب.
اليهود الشرقيون (السفارد) والنظام السياسي الإسرائيلي
Oriental Jews (Sephard) and the Israeli Political System
أسس صهاينة شرق أوربا الإشكناز الجيب الصهيوني فهم الذين قاموا بالاستيلاء على أرض فلسطين وطرد سكانها وهم الذين أعلنوا قيام الدولة الصهيونية. ولكن الدولة شيء والمجتمع الاستيطاني شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان ضرورياً ضم مادة بشرية من العمال والفلاحين الذين يقومون بالأعمال الإنتاجية لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي. وبما أنه كان هناك أعمال استنكف الإشكناز عن القيام بها قامت الحركة الصهيونية بتهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً وبالوعيد أحياناً أخرى ليضطلعوا بهذه المهمة. وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر، وبسبب الوضع المبهم للجماعات اليهودية في العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية التي ادعت أنها دولة يهودية تتحدث باسم كل يهود العالم وتمثلهم وتدافع عن مصالحهم!