{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}، ولم يعد الأمر على هذا الوجه لمجرد التأكيد، بل أعيد ليرتب عليه التنبيه على علة التشريع بقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}.
{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}:
الناس: اليهود والمشركون. والحجة تطلق في أصل اللغة على كلام يقصد به غلبة الغير، سواء أكان دليلاً صحيحاً، أم باطلاً، كما قال تعالى: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16]، فالشبهة قد يطلق عليها في مجاري الاستعمال لفظ الحجة؛ وتحويل القبلة إلى الكعبة يبطل مما يجادل به اليهود في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم: يخالفنا في ديننا، ويتبع قبلتنا؛ ويبطل مما يجادل به المشركون قولهم: إن محمداً لما ترك التوجه إلى الكعبة، ترك دين إبراهيم.
{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}:
{الَّذِينَ ظَلَمُوا}: هم المعاندون من فريقي اليهود والمشركين؛ فلاستيلاء الأهواء على قلوبهم لا يرجعون في تمييز الرشد من الضلال إلى الأدلة، ولا يرجى من الشبه التي تعلق بأذهانهم، أو تجري على ألسنتهم أن تذهب عند حضور الحجة الساطعة على بطلانها.
{فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}:
الخشية: الخوف؛ والمعنى: فلا تخافوا أولئك المعاندين، ولا تقيموا لما يشاغبون به في أمر القبلة وغيره وزناً؛ فإني أكفيكم بأسهم، وأرد عنكم كيدهم، وخافوني فيما آمركم به من الطاعات، وحافظوا على التوجه في صلواتكم إلى البيت الحرام.