الأصل الثانى: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعاً، وخلق الاختيار والمختار جميعاً. فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له، فإنها خلقت مقدورة مقدرة هى وصفه، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً، وكيف تكون جبرا محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والدعوة الضرورية؟ أو كيف يكون خلقاً للعبد وهو لا يحيط علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها؟ وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد فى الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب. وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط، إذ قدرة الله تعالى فى الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلاً بها، وهى عند الاختراع متعلقة به نوعاً آخر من التعلق، فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها.

الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراداً لله سبحانه، فلا يجرى فى الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته، وبإرادته ومشيئته، ومنه الخير والشر، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسران، والرشد والغواية، والطاعة والعصيان، والإيمان والشرك، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.

ويدل عليه من جهة النقل قول الأمة قاطبة. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ وقول الله عز وجل {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا}.

ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصى والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها، وإنما هى جارية على وفق إرادة العدو إبليس، لعنه الله، مع أنه عدو لله سبحانه، والجارى على وفق إرادة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015