ولا أن يكتنه معنى الإضاءة نفسه، وإنما يعرف من ذلك ما يعرفه كل بصير له عينان وعلى هذا القياس. ثم إن الله لم يجعل للإنسان حاجة تدعو إلى اكتناه شئ من الكائنات وإنما حاجته إلى معرفة العوارض والخواص ولذة عقله إن كان سليما إنما هى تحقيق نسبة تلك الخواص إلى ما اختصت به وإدراك القواعد التى قامت عليها تلك النسب، فالاشتغال بالاكتناه إضاعة للوقت وصرف للقوة إلى غير ما سبقت إليه. اشتغل الإنسان بتحصيل العلم بأقرب الأشياء إليه وهى نفسه، أراد أن يعرف بعض عوارضها وهل هى عرض أو جوهر؟ هل هى قبل الجسم أو بعده؟ هل هى فيه أو مجردة عنه؟ كل هذه صفات لم يصل العقل إلى إثبات شئ منها يمكن الاتفاق عليه وإنما مبلغ جهده أنه عرف أنه موجود حى له شعور وإرادة، وكل ما أحاط به بعد ذلك من الحقائق الثابتة فهو راجع إلى تلك العوارض التى وصل إليها ببديهته. أما كُنه شئ من ذلك -بل وكيفية اتصافه ببعض صفاته- فهو مجهول عنده ولا يجد سبيلا للعلم به. هذا حال العقل الإنسانى مع ما يساويه فى الوجود أو ينحط عنه، بل وكذلك شأنه فيما يظن من الأفعال أنه صادر عنه كالفكر وارتباطه بالحركة والنطق، فما يكون من أمره بالنسبة إلى ذلك الوجود الأعلى؟ ماذا يكون اندهاشه بل انقطاعه إذا وجه نظره إلى ما لا يتناهى من الوجود الأزلى الأبدى؟
النظر فى الخلق يهدى بالضرورة إلى المنافع الدنيوية ويضئ للنفس طريقها إلى معرفة مَن هذه آثاره وعليها تجلت أنواره وإلى اتصافه بما لولاه لما صدرت عنه هذه الآثار على ما هى عليه من النظام. وتخالف الأنظار فى الكون إنما هو من تصارع الحق والباطل، ولابد أن يظفر الحق ويعلو على الباطل بتعاون الأفكار أو صولة القوى منها على الضعيف. أما الفكر فى ذات الخالق فهو طلب للاكتناه من جهة وهو ممتنع على العقل البشرى لما علمت من انقطاع النسبة بين الوجودين ولاستحالة التركب فى ذاته وتطاول إلى ما لا تبلغه القوة البشرية من جهة أخرى فهو عبث ومهلكة، عبث لأنه سعى إلى مالا يدرك، ومهلكة لأنه يؤدى