أَمَّا شَهْرُ رَمَضَانَ فَلَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ -وَللهِ الحَمْدُ-؛ مِنهَا: أَنَّهُ شَهْرُ القُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. وَمِنْهَا: فَتْحُ أَبْوَابِ الجِنَانِ، وَغَلْقُ أَبْوَابِ النِّيرَانِ، وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ، كُلُّ ذَلِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ؛ قَالَ رَسُول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَفِي أُخْرَى: أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ-، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» خَرَّجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ». وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ لَيْلَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؛ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ». وَمِنْهَا: غُفْرَانُ الذُّنُوبِ؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» خَرَّجَهُ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ. وَمِنْ فَضَائِلِهِ: العِتْقُ مِنَ النَّارِ -أَجَارَنَا اللهُ مِنْهَا-؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ للهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ العِظَامِ الفِطْرَ فِي رَمَضَانَ دُونَ عُذْرٍ؛ فَإِنَّهُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَصَاحِبُهُ مُتَوَعَّدٌ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ؛ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ» أَيْ: عَضُدَيَّ «[فَأَتَيَا] بِي جَبَلا وَعْرًا، فقَالَا: اصْعَدْ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ شَدِيدٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟ قَالَا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَا بِي، فَإِذَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ» وَالشِّدْقُ: جِانِبُ الفَمِ «مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ» رَوَاهُ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي «الكُبْرَى»، وَالحَاكِمُ، وَهُوَ فِي «الصَّحِيحِ المُسْنَدِ» لِلعَلَّامَةِ الوَادِعِيِّ.
فاللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا عَلَى صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلادِ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلايَتَنَا فَيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مِن هنا (http://masjid-alfarouq-montreal.ca/IMG/mp3/011.mp3) لسماع الخطبة صوتيًا