ـ[محمد الرشيد]ــــــــ[22 - 12 - 2008, 01:10 م]ـ
صالح بن عبد القدوس شاعر عباسي عاصر الخليفتين المهدي والرشيد
شعره جيد وله أبيات في الحكمة والزهد في الدنيا ومحاسبة النفس، وقد ذكره الثعالبي في كتابه " لباب الآداب " وقال عنه: كل شعره حكم وأمثال
يقول في أبيات من قصيدته الزينبية وهي قصيدة مشهورة بالحكمة والموعظة:
فدع الصبا فلقد عداكَ زمانه .. وازهد فعمركَ مرّ منه الأطيبُ
ذهب الشباب فماله من عودةٍ .. وأتى المشيبُ فأين منه المهربُ
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا .. وأذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنبُ
واذكر مناقشة الحساب فإنه .. لا بد يُحصى ما جنيتَ ويكتبُ
فعليكَ تقوى الله فالزمها تفز .. إن التقي هو البهي الأهيبُ
واعمل بطاعته تنل منه الرضا .. إن المطيع له لديهِ مُقربُ
واقنع ففي بعض القناعة راحةٌ .. واليأس مما فات فهو المطلب
وإذا الصديق لقيته متملقاً .. فهو العدو وحقه يُتجنبُ
لا خير في ود امريءٍ مُتملقٍ .. حلو اللسان وقلبهُ يتلهَّبُ
يلقاكَ يحلفُ أنه بكَ واثقٌ .. وإذا توارى عنكَ فهو العقربُ
يُعطيكَ من طرف اللسان حلاوةً .. ويروغ منكَ كما يروغ الثعلبُ
وهي طويلة وجميلة ملأها من حكمه وخبرته وتجاربه في الحياة ولعل ما ذكرنا فيه الكفاية إن شاء الله
يُعد صالح بن عبدالقدوس من الشعراء الذين قتلهم شعرهم بسبب الزندقة وقيل بسبب تعديه على جناب الرسول الكريم عليه وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار صلاة وسلام
فقد ذكر ابن المعتز في كتابه طبقات الشعراء قال:
أخذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة فأدخل على المهدي فلما خاطبه أعجب به لغزارة أدبه وعلمه وبراعته وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته فأمر بتخلية سبيله فلما ولّى رده وقال: ألست القائل:
وإن من أدبته في الصبا .. كالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً .. من بعد ما أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه .. حتى يواري في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله .. كذي الضنا عاد إلى نكسه
قال نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت تترك أخلاقك؟ ونحن نحكم في نفسك بحكمك، فأمر به فقتل
وحدثت - والكلام لابن المعتز - من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهى إلى الرشيد عنه هذه الأبيات يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وآله:
غصب المسكين زوجته .. فجرت عيناه من درره
ما قضى المسكين من وطرٍ .. لا ولا المعشار من وطره
عذت بالله اللطيف بنا .. أن يكون الجور من قدره
وهو هنا - والكلام لي - يعرض بالرسول الكريم في قصة زواجه من أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها زاعماً أن الرسول قد أكره زيد بن حارثة رضي الله عنه على طلاقها حتى يتسنى له الزواج بها
قال ابن المعتز: عليه لعنة الله إن كان قالها
فقال له الرشيد: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أشركت بالله طرفة عين ولا تسفك دمي على الشبهة فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " وأخذ يرقق قلبه ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه ويتلو القرآن حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه .. حتى يواري في ثرى رمسه
قال: يا شيخ هذا الكلام يشبه هذا الكلام وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر - يعني الأبيات التي نسبت إليه - ونحن نتمثل وصيتك ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر
قلت: وقد عجب ابن المعتز بشعره بل شك في أن يكون زنديقاً لما له من شعر في الزهد والحكمة والترغيب في الجنة والإعراض عن الدنيا
قال ابن المعتز:
أما الرجل فله في الزهد في الدنيا والترغيب في الجنة والحث على الطاعة لله عز وجل والأمر بمحاسن الأخلاق وذكر الموت والقبر ما ليس لأحد وكان شعره كله أمثالاً وحكماً فمما يستحسن له قوله:
تأوبني هم فبتُّ أخاطبه .. وبت أراعي النجم ثم أراقبه
لما رابني من ريب دهرٍ أضرني .. فأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكير إنني .. عجيب لدهر ما تقضي عجائبه
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمه .. ولو كلف التقوى لفلت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزاً لعفافه .. ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وأحمق مصنوعاً له في أموره .. يسوده إخوانه وأقاربه
على غير حزمٍ في الأمور ولا تقى .. ولا نائلٍ جزلٍ تعد مواهبه
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى .. ولا باحتيالٍ أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه .. فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمّل الرحمن للمرء عقله .. فقد كملت أخلاقه ومناقبه
فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟! وكيف يكون قائله زنديقاً؟
ومما يختار من شعره قوله - والحديث لابن المعتز -:
فو حق من سمك السماء بقدرةٍ .. والأرض صيّر للعباد مهادا
إن المصر على الذنوب لهالكٌ .. صدقت قولي أو أردت عنادا
وحدثني أحمد بن إبراهيم المعبر قال: رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً فقلت له: ما فعل الله بك؟ وكيف نجوت مما كنت فيه؟ فقال: إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت براءتك مما كنت تعرف به وترمى باعتقاده
وإلى لقاء آخر مع شخصية أدبية أخرى
.
¥