ـ[القمطرة]ــــــــ[05 - 04 - 2009, 05:37 م]ـ
إنّ وصيّتي هذهِ ليستْ إلاّ دعوة لأهلِ العربيّةِ أنْ يخرجوا قليلاً من صومعتهِم ودقائقِ أبحاثهِم، ليسعوا على إحياءِ العربيّةِ ومنهَا الأدب، المروّض للنفسِ على الخلالِ الحميدةِ، والحاملُ لها على الترفّعِ والصيانةِ، فيطربُ به الصبيّ، وتلذّه الفتاة، بدلاً من الحصر والعِي. بل إنا لنريدُ كما (كان للرشيد مجلس للأدب بلغ لألاؤه أطراف الأمبراطورية، حتى ضاقت عليهم بغداد بما رحبت، فاضطر يحيى بن خالد إلى امتحانهم في الشعر وترتيبهم في الجوائز ليُخفف في زحمة الأدباء).
ولقد بكى الطنطاوي على زمانهِ وليس عنّا ببعيد فقال-رحمه الله: (مررت مرة بحلقة فيها نفر فهمت من كلامهم أنهم من طلبة العربية والأدب في المدارس العالية، فقعدت قريباً منهم أستمع إليهم، وكان واحداً منهم يقرأ في كتاب، فما رأيته سلمتْ له خمسة أسطر متتابعات! وما مر على خمسة أسطر إلا رفع فيها منخفضاً وخفض مرتفعاً وحرف الكلم عن مواضعها، وأزالها عن منازلها، ولم يدع لغوياً ولا نحوياً ولا عالماً بالعربية من لدن أبي عمرو إلى الأشموني إلا نبش قبره، وبعثر عظمه، ولعن بجهله أباه وأمه).
وحقّت علينا البلادة وقلّة المبالاة يوم بكى العقلاء، فإنْ كانَ هذا حال طلاب العربيةِ آنذاك فكيفَ بحالنا اليوم؟!، (لا المعلم على الجملة صادق الجهاد فيما يُعطي، ولا المتعلم على العموم حسن الاستعداد لما يأخذ) وشرٌّ من هذا كلّه ما تجده عندَ غيرهم.
يقول العلامةُ محمود شاكر-رحمه الله: (اعلم أني قضيت عشر سنوات من شبابي، في حيرة زائغة، وضلالة مضنية، وشكوك ممزقة، حتى خِفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محتقباً إثماً يقذف بي في عذاب الله بما جنيت. فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصاً أهتدي به إلى مخرج يُنجيني من فبر هذه الظلمات المطبقة على من كل جانب. فمنذ كنت في السابعة عشرة من عمري، إلى أن بلغت السابعة والعشرين، كنت منغمساً في غمار حياة أدبية بدأت أحسّ إحساساً مبهماً متصاعداً أنها حياة فاسدة من كل وجه ...).
أيّها الأدباء. . إنْ كانَ واقعنا الأدبي أسير عملكم، وثمرته من عطائِكُم، وفسادهُ لا يعرف سواكم، أفلا يحقّ لي أنْ أوصيكُم، برفْقٍ ولطفٍ مما أجدهُ في نفسي منكُم قبل غيري، فألومكم حتى تُعيدوا إلينا إرث آبائنا متى وُكل إليكُم!. وبعد:
يقولُ عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: مرْ من قبلك بتعلّم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب.
يُتبع -بإذنِ الله.
محبكم / القمطرة