ـ[الأديب النجدي]ــــــــ[19 - 02 - 2010, 02:18 م]ـ
«أَشْكَلُ مِنْ حَدَاثِيّ»
فوّاز اللّعبون
وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيْمَنْ كَثُرَتْ طَلاسِمُه، وأَشْكَلَتْ عَلَى الأَفْهَامِ تَمَاتِمُه، والحَدَاثِيُّ رَجُلٌ لا يَعِي ما يَقُوْل، ولا تَصِلُ إلى هَذْرِهِ العُقُوْل، يَكْتُبُ لِنَفْسِه، ويَتَبَرَّأُ مِنْ أَمْسِه، كَثِيْرُ الانْتِقَادِ والضَّجَر، ويَرَى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ البَشَر، نَاقِدُهُ في رَأْيِهِ رَجْعِيّ، وهوَ بِطَبْعِهِ نَفْعِيّ.
وأَصْلُ المَثَلِ أنَّ شَابّاً أَحَبَّ الأَدَب، وبَذَلَ في جَنْيِ رَحِيْقِهِ ودَأَب، فمَرَّ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الأَعْلام، وأَخَذَ عَنْهُمْ ما يَرْوِي الأُوَام، فما انْكَفَأَ عَلَى مَذْهَب، ولا اكْتَفَى مِنْهُ بِمَشْرَب، فجَمَعَ مِنَ الأَدَبِ المَحَاسِن، وانْتَقَى مِنَ المَنَاجِمِ المَعَادِن، فسَمِعَ عَنْ رَجُلٍ وَاسِعِ الذِّكْر، لَهُ مُصَنَّفَاتُ نَقْدٍ وشِعْر، فأَمَّهُ وقَصَدَه، وأَعْلَمَهُ مَقْصَدَه، والْتَمَسَ مِنْهُ الوِفَادَة، وتَحْصِيْلَ الإفَادَة، فمَا لَبِثَ الرَّجُلُ أنْ رَمَقَهُ شَزْرا، وأَطْرَقَ مَرَّةً وصَعَّدَ أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَرْسَلَ يَقُوْل، وفي الفَرَاغِ يَجُوْل:
يَجِبُ أَوَّلاً أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنَ الرُّفَات، وتَنْقَطِعَ عَنْ شُيُوْخِكَ النَّكِرَات، وتَمْسَخَ أَفْكارَكَ البَالِيَة، وتَتَجَرَّدَ مِنْ أَنَاكَ العَالِيَة، فحِيْنَ تَتَبَلْوَرُ في بَوْتَقَة، سَتُدْرِكُ السِّيَاقَاتِ والأَنْسِقَة، ولَنْ يَكُوْنَ لَكَ صِيْت، قَبْلَ أنْ تَفْهَمَ التَّفْتِيْت، ولا غِنىً لَكَ عَنِ التَّمَظْهُر، وحَلِّ شَفْرَةِ (الهَمْبُرْغُر)، فكُلُّ المَنَاهِجِ التَّارِيْخَانِيَّة، تُعْوِزُهَا الدِّيْنَامِيْكِيِّة الظَّاهِرَاتِيَّة، ومُؤَسِسُ سُلْطَتِهَا شَطَح، في إسْقَاطَاتِ المُصْطَلَح، ولا سِيَّمَا أنَّ النَّاقِدَ (فِيْبَرِغْلاس)، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَظَرِيَّةِ هِيْمُوْرَاس، وظَلَّ في صِرَاعٍ مُشْتَبِك، مَعَ الرِّوَائيِّ (مُوْفِنْ بِك)، ومَعَ أنَّهُما أفَادَا مِنَ التَّشَكُّلاتِ الإمْبِرْيَاقِيَّة، إلاّ أنَّهُما يَفْتَقِرَانِ إلى الشَّفَافِيَّة، ولَهُما مِنْ (كِرِسْتِيَنْ دُيُوْر)، مَوْقِفٌ تَأَزُّمِيٌّ مَشْهُوْر، فَالسِّيْمِيُوْطِيْقِيَا في رَأْيِهِما مُؤَشِّرَات، وهَذَا هُوَ رَأْيُ (دَانْكِنْ دُوْنَات)، ومَهْمَا يَكُنْ بَيْنَهُمْ مِنِ انْشِطَاح، فهُمْ يَتَّفِقُوْنَ عَلَى مَبْدَأِ الانْزِيَاح، مَعَ أنَّ المُتَخَيَّلَ النَّصَّانيّ، يَتَقَاطَعُ مَعَ التَّمَحْوُرِ الزَّمَكَانيّ. (1)
وما زَالَ الرَّجُلُ يَبْرِمُ ويَفْتُل، ويَمُطُّ شِدْقَيْهِ ويَسْعُل، ويَرْفَعُ نَظَّارَتَهُ ويَضَع، ويَشْبِكُ يَدَيْهِ ويَدَع، والفَتَى أَثْنَاءَ ذَلِكَ يُبْدِي سَأَمَه، ويَفْغَرُ في وَجْهِ الشَّيْخِ فَمَه، فمَا أَحَسَّ بِهِ ولا دَرَى، إلاّ حِيْنَ فَارَقَهُ وجَرَى، ولَمَّا خَفَّ عَنْهُ الذُّهُوْل، أَنْشَأَ مِنْ فَوْرِهِ يَقُوْل:
أَلْقَانِيَ الرَّأْيُ التَّعِيْسُ عَلَى امْرِئٍ ... تَتَنَافَرُ الكَلِمَاتُ في أَوْصَافِهِ
خَالِي الفِنَاءِ مُرِيْبَةٌ لَفَتَاتُهُ ... مُسْتَوْحِشُ النَّظَراتِ مِنْ أَضْيَافِهِ
لازَمْتُهُ أَبْغِي جَنَاهُ فَخَصَّنِي ... بِحَدِيْثِ مَسْلُوْبِ الإرَادَةِ تَافِهِ
أَرَأَيْتَ أَشْكَلَ مِنْ حَدَاثِيٍّ إذا ... لاكَ الكَلامَ، وَهَزَّ مِنْ أَعْطَافِهِ؟
يَهْذِي بُمُلْتَبِسِ الكَلامِ، فَقُلْ لِمَنْ ... رامَ التَّشَعْوُذَ وَالكَهَانَةَ: وَافِهِ
لَوْ لَمْ أَقُلْ وِرْدِي غَدَاةَ أَتَيْتُهُ ... لَخَرَجْتُ مَحْمُوْلاً عَلَى أَكْتَافِهِ
لَمْ أَدْرِ مَا مَغْزَاهُ مِنْ تَمْطِيْطِهِ ... شِدْقَيْهِ وَهْوَ يَلُجُّ في إرْجَافِهِ
يَزْهُو بِمُصْطَلَحَاتِهِ، وَيَسُوْقُ لِي ... أَعْلامَهَا، وَيَحُطُّ مِنْ أَسْلافِهِ
وَشْيٌ مِنَ التَّغْرِيْبِ مُلْتَحِفٌ بِهِ ... وَيَظُنُّ أنَّ الوَعْيَ تَحْتَ لِحَافِهِ
قَدْ حَيَّرَتْنِي مِنْهُ كُلُّ عِبَارَةٍ ... وَعَيِيْتُ كُلَّ العِيِّ عَنْ أَهْدَافِهِ
-------
(1) قَالَ الرَّاوِي: أَقْحَمَ الحَدَاثِيُّ الأَسْمَاءَ المُحَاطَةَ بِقَوْسَيْنِ تَمَادِياً في الاسْتِعْرَاض، وإلاّ فهيَ أَسْمَاءٌ أَجْنَبِيَّةٌ لِبَعْضِ الأَطْعِمَة، والمُنْتَجَاتِ التِّجَارِيَّة.
من (فائت الأمثالِ مقاربةٌ أدبيّةٌ ساخِرة) لفوّاز اللعبون، ص 43.
ـ[أبو العباس]ــــــــ[20 - 02 - 2010, 09:44 ص]ـ
فواز اللعبون هذا لطيف خفيف الروح، قرأتُ من قبلُ كتابه وهو من ألطف ما قرأت، ولعلّك تدلنا على كتابه نأنس به.
ـ[الأديب النجدي]ــــــــ[20 - 02 - 2010, 12:37 م]ـ
مرحباً بالوزير:) افتقَدْناكم، وهذا رابطُ للكتابِ بصيغةِ (بيدي إف) أو أُف:)،
http://www.toarab.ws/down/pafiledb.php?action=file&id=26
وهنا بصيغةِ (وورد):
http://up1.m5zn.com/download-2009-1-29-04-3kaz8bg3u.zip
والله يحفظكم ويَرعاكم.
¥