ملتقي اهل اللغه (صفحة 5184)

أثر الموت في الشعر

ـ[أبو حمزة الشامي]ــــــــ[12 - 12 - 2010, 07:37 ص]ـ

عرف العرب الرثاء منذ العصر الجاهلي، إذ كان النساء والرجال جميعا ً يندبون الموتى، كما كانوا يقفون على قبورهم مؤبنين لهم مُثْنين على خصالهم وقد يخلطون ذلك بالتفكير في مأساة الحياة وبيان عجز الإنسان وضعفه أمام الموت وأن ذلك مصير محتوم.

ولقد كان نقاد العرب القدامى يرون في الرثاء بابا ً من أبواب المديح؛ باعتبار أن الراثي يعدّد مناقب الميت التي تدعو الإنسان إلى البكاء عليه، لأنه بفقده للميت يكون قد فقد تلك المناقب والحسنات ولذلك نرى أن قدامة بن جعفر يرى ((أنه ليس بين المرثية والمدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك)) [1] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn1)

وروي عن الأصمعي أنه سأل أعرابيا ً عن المراثي: ما بالها أشرف أشعارهم فقال: ((لأننا نقولها وقلوبنا محترقة)) [2] (http://www.ahlalloghah.com/#_ftn2)

1 - محمد إبراهيم حوّر , رثاء الأبناء في الشعر العربي حتى نهاية العصر الأموي , ط 1

(أبو ظبي: مكتبة المكتبة: 1401 هـ)، ص 9.

2 - المرجع السابق ص 11.

وسيكون حديثنا بإذن الله متجدد عن أدب الرثاء وكل ما يمت للموت بصلة، ونبدأ اليوم بقصيدة للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، وقد ألف هذه القصيد حين فجع بأبنائه الخمسة في يوم واحد.

أبو ذؤيب الهذلي

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ

أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ

فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ

وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لاتَنفَعُ

فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ

حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ ُقرَعُ

لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَاِنتَظِر أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ

وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءسَفاهَةٌ وَلَسَوفَ يولَعُ بِالبُكا مِن يَفجَعُ

وَليَأتِيَنَّ عَلَيكَ يَومٌ مَرَّةً يُبكى عَلَيكَ مُقَنَّعاً لا تَسمَعُ

وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ

وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ

كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا

فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ

وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ في رَأسِ شاهِقَةٍ أَعَزُّ مُمَنَّعُ

وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ جَونُ السَراةِ لَهُ جَدائِدُ أَربَعُ

صَخِبُ الشَوارِبِ لا يَزالُ كَأَنَّهُ عَبدٌ لِآلِ أَبي رَبيعَةَ مُسبَعُ

أَكَلَ الجَميمَ وَطاوَعَتهُ سَمحَجٌ مِثلُ القَناةِ وَأَزعَلَتهُ الأَمرُعُُ

بِقَرارِ قيعانٍ سَقاها وابِلٌ واهٍ فَأَثجَمَ بُرهَةً لا يُقلِعُ

فَلَبِثنَ حيناً يَعتَلِجنَ ِرَوضَةٍ فَيَجِدُّ حيناً في العِلاجِ و َيَشمَعُ

حَتّى إِذا جَزَرَت مِياهُ رُزونِهِ وَبِأَيِّ حينِ مِلاوَةٍ تَتَقَطَّعُ

ذَكَرَ الوُرودَ بِها وَشاقى أَمرَهُ شُؤمٌ وَأَقبَلَ حَينُهُ يَتَتَبَّعُ

فَاِفتَنَّهُنَّ مِن السَواءِ وَماؤُهُ بِثرٌ وَعانَدَهُ طَريقٌ مَهيَعُ

فَكَأَنَّها بِالجِزعِ بَينَ يُنابِعٍ وَأولاتِ ذي العَرجاءِ نَهبٌ مُجمَعُ

وَكَأَنَّهُنَّ ربابة وَكَأَنَّهُ يَسَرٌ يُفيضُ عَلى القِداحِ وَيَصدَعُ

وَكَأَنَّما هُوَ مِدوَسٌ مُتَقَلِّبٌ في الكَفِّ إِلّا أَنَّهُ هُوَ أَضلَعُ

فَوَرَدنَ وَالعَيّوقُ مَقعَدَ رابِىءِ الض ضُرَباءِ فَوقَ النَظمِ لا َتَتَلَّعُ

فَشَرَعنَ في حَجَراتِ عَذبٍ بارِدٍ حَصِبِ البِطاحِ تَغيبُ فيهِ الأَكرُعُ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015