ملتقي اهل اللغه (صفحة 4756)

جزاك الله خيرا على هذه الفائدة الطيبة، ولكن لا يصح حمل ما جاء في كلام العرب من سب الدهر على هذا، فمرادهم معروف ظاهر، وهو سب الذي يصرف الدهر والأيام، ويقلب الليل والنهار. ولذلك نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهو كان قد نشأ فيهم، ويعرف عادتهم في ذلك ومرادهم به، فأخبرهم أن سب الدهر إنما يقع حقيقة على الذي يصرف الأمور ويقلب الليل والنهار، وهو الله وحده.

وقد قال الشيخ ابن قاسم رحمه الله في حاشية كتاب التوحيد: (لأنهم إذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، فإنما سبوا فاعله حقيقة وهو الله سبحانه، والساب مرتكب أحد أمرين: إما مسبة الله أو الشرك، فإن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله تعالى الله وتقدس).

وعامة ما يقع في شعر الشعراء بعد الإسلام من سب الدهر فهو من هذا الباب، وهذا أمر ظاهر بين، وقال الشيخ السعدي رحمه الله في شرحه على كتاب التوحيد: (وهذا واقع كثيرا في الجاهلية، وتبعهم على هذا كثير من الفساق والمجان والحمقى، إذا جرت تصاريف الدهر على خلاف مرادهم جعلوا يسبون الدهر والوقت وربما لعنوه. وهذا ناشئ من ضعف الدين ومن الحمق والجهل العظيم).

وهذا أمر خطير جدا، نسأل الله السلامة والعافية، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الباب: (الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه).

والعجيب أن بعض الناس ربما تحرج من إنشاد البيت يكون فيه شيء من الفحش، ثم تراه ينشد الأبيات وربما القصائد الطوال في سب الدهر والزمان، وجور الليالي والأيام، ويهتز طربا لذلك، لا يجد شيئا من الحرج.

وهذا قريب من القصة التى تروى عن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب لما ذكر لأصحابه رجلا وقع في شيء من الشرك، ورجلا ارتكب الفاحشة عند الكعبة فعظم نكيرهم على الثاني. على أنه لو قيل إنما عظم إنكارهم لغرابة الثاني وعدم وقوعه في الدهور والأزمان، لا أنهم يرونه أعظم من الشرك لم يكن ببعيد.

وشر من عدم التحرج من إنشاد هذه الأشعار أن يسلي نفسه بإنشادها، ويرى أن الليالي جارت عليه، وبخسته حقه، فيقع في هلكتين سب الدهر والسخط على أقدار الله، وهذا والله كثير في أهل الأدب.

ورحم الله ابن القيم إذ يقول: (أكثر الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق وظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه ونفسه تشهد عليه بذلك وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد فاقرع زناد من شئت ينبئك شرارها عما في زناده فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب الى الله ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء).

ـ[الحريري]ــــــــ[27 - 02 - 2012, 07:28 ص]ـ

جزاك الله خيرا يا أخي

ولكن

تقصد أن الله هو الدهر اسما؟

لأن المعلوم أن الدهر ليس من أسماء الله وإنما معنى حديث ((أنا الدهر))، أي مصرف الدهر ومقلبه

أما عن البيت فلا أعلم حقيقة هل هذا من المنهي عنه أم لا، لأن المسألة فيها تفصيل، ولم أستطع أن أحدد إذا كان هذا داخلا في سب الدهر المنهي عنه أم لا

لا أقصد أن الدهر من أسماء الله، لكني أوردت لفظ الحديث كما هو: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر).

وبيت البحتري هذا لا شك أنه داخل في السب المنهي عنه، بل عامة ما يقع في شعر الشعراء داخل فيه، لا يكاد يخرج منه شيء، فهي عادة لهم معروفة.

وجزاك الله خيرا وبارك فيك.

ـ[الحريري]ــــــــ[27 - 02 - 2012, 07:36 ص]ـ

،،، أوَّلًا: أَشكرُ أَخانا (الحريريَّ) على ما أبدَاهُ مِن غيرَةٍ للهِ تَعالَى ولِدينِه.

،،، ثَالِثًا: البيتُ المذكورُ لا أراهُ – بحَسبِ فَهمِيَ القاصرِ – داخلًا في سَبِّ الدَّهرِ، لأنَّ مَقصودَ الشَّاعرِ فيه واضحٌ، (زَعزَعنِي الدَّهرُ) أي: زَعْزَعَتْني وهَزَّتْني نَوائِبُ الدَّهرِ وحَوادِثُه، وليسَ في هذا المعنَى مَحظُورٌ، إذ الظَّاهرُ أنَّه لم يَقصِدْ نِسبةَ الفِعْلِ إلى الدَّهرِ، واللهُ تعالَى أَعلَمُ.

جزاك الله خيرا وبارك فيك، وبيت البحتري داخل ولا شك في هذا السب المنهي عنه، ولو تأملت عجز البيت والبيت الذي يليه لرأيت ذلك بينا واضحا، وهو قوله: التماسا منه لتعسي ونكسي، وقوله: طففتها الأيام تطفيف بخس. والذي يبسط الرزق ويقدره هو الله تبارك وتعالى، وليست الأيام ولا الليالي ولا غيرها.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015