ملتقي اهل اللغه (صفحة 4638)

تنوير الملامح في معارضة المدائح.

ـ[جبران سحّاري]ــــــــ[15 - 09 - 2012, 08:04 ص]ـ

[تنوير الملامح في معارضةِ المدائح]

أهديتها لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

الهم فارقني فاشتقتُ للقلمِ ... فسال منه سؤالٌ يرتضيه فمي

ماذا أصابك يا قلبي على عجلٍ ... ما الأمر ما الخطبُ صار القلبُ في ألمِ؟

فلم أعد مالكاً للحِمْلِ أيَّ قوىً ... خارت قواي فلم أثبت على قدمِ

أيا قريضي أجبني عن مُساءلتي ... هل طوحت بي آمالي إلى القمم؟

فقال: سائلْ سطورَ الصدر في لهفٍ ... تجدْ جواباً به تُشفى من السقمِ

فتشتُ جسميَ إذ بالحب أثقلني ... مفتاحُه الميمُ صار الميم مختتمي

فصغتُ ميميةً أبياتُها عجبٌ ... تحير الناس من عربٍ ومن عجمِ

سارت على قدمٍ للناس فامتلكت ... إمارةَ المدح للمختار ذي الكرمِ

تجمعت حولها الأخيارُ واحتفلت ... بها النوادي وزار الميمُ كل فمِ

وحينها شعراءُ الأرض قاطبةً ... قد أعلنوا العجز عنها دونما كلمِ

وكلهم قد تخلوا عن معارضتي ... وكلهم كبروا من روعة النغمِ

قالوا: بها سبكُ ألفاظٍ حوى حللاً ... من الجمال وهذا منتهى الحلمِ

ناهيك عن جودة المضمون روعتُها ... تكفي جميعَ الورى فخراً على العلمِ

وقد حوت مع جمال النظم قافيةً ... تنسابُ في الشعر مثل السيل في العرمِ

فهذه يا إمام الشعر أربعةٌ ... لم نأتِ منها بفذٍ يرتضيه كمي

(يتيمةُ الدهر هذي ما لها مثلٌ ... وآيةٌ أعجزت في النظم ذا نُظُمِ)

وجاء يسعى فتى بوصيرَ معتذراً ... وقال: لستُ لها يا صاحبَ الحكمِ

وجاء شوقي أميرُ الشعر يتبعُه ... وقال: ما لي بها من طاقةٍ فدُمِ

فقلتُ: لا تحسدوني إنها كشفت ... نقابَ حسنٍ بثغرٍ فيه مبتسمِ

ولترحموا دمعَ عيني وهو منسكبٌ ... ما بالكم لم تراعوا حرمة الرحمِ

هبوا القصيدةَ يا أحبابُ في عجلٍ ... من جنس ما ساقه الرحمنُ من نعمِ

قالوا: نعم قم فحدثنا بنعمتِه ... فالنصح هذا أتى في محكم الكلمِ

فقلتُ: يا قومُ إن الحب حركني ... فزاد شوقي على شوقي مع الهممِ

أهديتُها لرسول الله يصحبها ... مني السلامُ عليه ما الحبيبُ سُمي

وحبه قد ملا قلبي فمازجه ... تخللَ الروحَ مني بل جرى بدمي

فصار شعراً يهولُ الناسَ رونقُه ... لأنّ بالحب قلباً للمحب رُمي

ولستُ بالشاعرِ المعهودِ شهرتُه ... لكنه من حديث القلبِ لا الرُجمِ

محمدُ المصطفى المختارُ من مضرٍ ... مُذ جاء أخرجنا من حالك الظلمِ

العينُ تمطر حين القلبُ يذكره ... والشعر ينسج آهاتٍ مع الندمِ

صلى عليه إله الكون ما سطعت ... شمسُ النهار على سهلٍ مع الأكمِ

أنا أجاهدُ نفسي وهي تأمرني ... بالسوء، قلتُ لها: فري من التهم

لا تركضي خلف ما تهوينَ في لهفٍ ... الشيبُ قد خاط في رأسي بلا هرمِ

كأنه جاءني في اليوم ينذرني ... ينهى عن الغي والعصيان واللممِ

إلى متى النفس تسعى بعد شهوتِها ... ما آن أن ترجعي يا نفسُ للحَكَم؟

والنفس كالطير إن تحبسْه في قفصٍ ... ملكتَه أنتَ أو أطلقتَه يهمِ

فجنب النفسَ ما تهواه تلقَ هدىٍ ... واطلب من الله تقواهُ ولا تهمِ

وقل: عصيتُك يا ربي فقلتُ: كفى ... ما كان مني من العصيان والأُثمِ

آمنتُ بالله رباً لا شريك له ... وبالنبيِّ الزكيِّ الصادق العلَمِ

أحببتُه فيك حباً خالصاً شهدت ... به دموعي وأشعاري وزد سقمي

دع المغانيَ والأطلالَ دارسةً ... واهجر حبيبَك إن يصبحْ أصمَّ عمي

واهجر (قفا نبكِ من ذكرى الحبيبِ) ولا ... تُنشِدْ قصائدَ أهل الزيغ والصممِ

ودع (لخولةَ أطلالٌ ببرقتِها) ... وخذ بياناً عن المخصوصِ بالكرمِ

من كان مبعثُه للعالمين هدىً ... ورحمةً من إلهي بارئ النسمِ

أحيا به الله أمواتاً له اتبعوا ... فأصبحوا في ضياءٍ غير منصرمِ

ومن ظلام الهوى والجهل أخرجهم ... إلى الهدى والتقى أنعم إذن بهمِ

يا أشجعَ الناس، يا خيرَ الأنام ومن ... حوى جوامعَ ما يُروى من الكلمِ

أثني عليكم وقلبي من محبتكم ... يروي المشاعرَ بالأشعارِ فاستلمِ

يا ناصرَ الدين في بدرٍ وفي أحدٍ ... وفي حنينٍ بجمعٍ غيرِ منهزمِ

لو أن شعرَ أبي تمام يمدحكم ... لكان أفضلَ من مدحٍ لمعتصمِ

تفوق بدرَ الدجى في الحسن من صغرٍ ... وأنت أطهرُ شخصٍ حل في الحرمِ

علوتَ في الكون بالوحيين منتصراً ... أحيا بك الله أجيالاً من الرممِ

لك اتبعنا وصدقنا نبوتَكم ... من لم يقرَّ بها قد تاه في الظُلَمِ

إذا دعوتَ على الجبار أهلكه ... ربي ببطش عزيزٍ منه منتقمِ

أُعطيتَ خمساً، وخص الله جانبكم ... بها عن الأنبيا من سائر الأممِ

والكوثر العذبُ أعطاك الرحيم بنا ... وفيه ما ليس في بالٍ ولا حُلُمِ

زكاك ربك في القرآن تزكيةً ... في النطق والشيخ والأخلاق والقيمِ

حزتَ المعالي على من قبلكم شرفاً ... والله برأكم من قول متهِمِ

وجئتنا بكتابٍ فيه هيمنةٌ ... على الرسالاتِ في الأحكامِ والحِكَمِ

كلامُ ربي من التحريف يحفظه ... مع الزيادة والنقصان والتهمِ

أعيى الورى نظمُه جلت فصاحتُه ... فأعجزت بلغاءَ العرب والعجمِ

لو أن إنساً وجناً معهم اجتمعوا ... وأجمعوا الأمر وانظموا لمثلهمِ

لما استطاعوا لأن يأتوا بواحدةٍ ... من آيه فتعالى الله ذو العِظمِ

يارب صل على المختار ثانيةً ... محمدٍ خير رسل الله كلهمِ

هذا مديحي وما جاد القريضُ به ... مع اعترافيَ بالتقصير في النُظُمِ

يا من يلومُ على تدبيج قافيتي ... لو كنتَ تعلم من أعنيه لم تلمِ

نصيحتي لك: أن لا تستمع كلمي ... والزم فراشك يا مغرورُ ولتنمِ

وقد ذهبتُ أنا والمادحون إلى ... خير القضاة لحكمٍ غير منفصمِ

قال: القصيدةُ حازت كل مفخرةٍ ... لأنها مدحُ خير الخلق ذي الشيمِ

لم تغلُ فيها بإشراكٍ ولا كذبٍ ... كما غلا من غلا في الوصف فاحتكمِ

فقلتُ: حكمي بأن تدعوا لناظمها ... بالعفو واللطف والغفران للَّممِ

جبران بن سلمان سحّاري

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015