ملتقي اهل اللغه (صفحة 4548)

وتماطرت الدموع (رسالة إلى أخي)

ـ[أحمد عبد الباقى]ــــــــ[23 - 06 - 2013, 04:29 م]ـ

إليك أخى ...

أكتبُ إليك فى هذه اللَّيلة القرَّة، وقد انْتَشَر الظَّلام، وعَرِقَتِ السَّماء، وكَثُرَ اللَّثَق، وخيَّمْتُ فى هذا المكان .. بعدما جَرَيتُ مع كلِّ ريح، ورأيتُ الأعاجيب، وعرفتُ السَّرَّاء والضَّرَّاء، واحْدَوْدَبَ قَلْبى من التَّجارب، وقيَّدنى العجز، فكم مِن سِجْنٍ قد كابَدْتُه! وكم مِن عقل قد سَبَرْتُه، فعلمتُ مِن أسرار الصِّراع ما لم أكن أتخيَّل!

أكتبُ إليك بِيَد مُتَخَلِّجَة، وعين غارقة فى الدموع، ما جرى معه بعد أنْ عزمتُ على إماطة اللِّثام عن قصته التى تقطر دمًا وخيانةً .. فقد رأيتُ بِعيْنَىَّ منه ما لم أره إلا فيه، ولا سمعتُ به فى غيره!

وها أنا آخذُ فى نَشْر ما جرى على وَجْهِه من طريق المَعْنى، وإن انْحرفتُ عن أعيان لَفْظِه؛ ذلك أنَّه لم يكن إملاءً ولا نَسْخًا؛ إنما العين وما رأت .. وأجتهدُ أنْ أَلْزَم المراد باختصارٍ دون إخلال، فلو ذكرتُ كلَّ ما فى النَّفس منه = لطال الأمر وأَملَّ.

كان رجلًا ضَرْبًا، مُتَوقِّدًا، داهيةً، أَرِيبًا، سمحًا، فيَّاضًا، نزيه النَّفس، عفيف اللِّسان، محمودَ الشِّيم .. خبرتُ مِن أمره الكثير ..

لكن ..

كلُّ ذلك ذَهَبَ وبَادَ وامَّحَى!!

أَتْلَفَه إدمانٌ قد تَقَمَّمَه مِن هُلَّاك النَّاس وسُقَّاطهم الذين تذاءبوا عليه واختطفوه إلى طريق سحيق البعد، مكفوف بالظُّلمات والتِّيه، كريه المنظر، مما يهولك ويفزعك ..

ثُمَّ تركوه حَطَبًا يابسًا لمن يستوقد!

كنتُ أَرِقُّ له وآسى عليه ..

لكنَّه قد غَرَّقَ نفسه فى دَهَارِيسٍ قد جَلَبَت الشُّرور عليه من حيث يدرى ولا يدرى ..

أسبابٌ تجمَّعتْ عليه فَقَضْقَضَتْ أَوْصَالَه وفَتَكَتْ به .. مِن صَفَر اليد، وسُوء الحال، وعِشْقٍ أَحْرَقَ كبده، ثُمَّ حِيرةٍ عَزَبَ معها عَقْلُه، وطَيْشٍ أَسْرَعَ به إلى متالف مهلكة.

ولولا هذه العوارض لما اغْبَرَّ وَجْهُ عقله، ولا عَلَاه الشُّحوب، ولبَقِىَ على نضرته وبهجته.

وذات ليلة ..

اسْتَفْحَلَ الأمر عليه واشْتَدَّ هَوْلُه .. لم يخطر بباله ولا جَال بفكره أن يصلَ إلى ما وصل إليه من عذابٍ وألم ..

هَاجَ وارْتَعَدَ .. لقد نَفِدَ ما كان يَتَقَمَّمه ..

فإذا به مُسْرعًا قد جَمَعَ أطراف نفسه المبعثرة، وأَقْبَلَ يجُرُّ رِجْلَيْهِ على هذا المكان الحَرِج بالمكاره، المحفوف بالرَّزايا، الذى لم يفلح فيه أحد!

سَأَلَ عن صديق السَّمادِير .. أين هو؟

فإذا بصوت يأتيه مصحوبًا بضحكات - يكره الأصمُّ سماعها لو سمع -: "لقد هَجَرَنا ورَحَلَ" ..

جَحَظَتْ عيناه، وبَكِمَ لِسانُه، وثَقُلتْ حركتُه، وأَحَسَّ أنَّه انْشَقَّ نصفين من هَوْل المفاجأة!

استَغرقَ فى هذا دقيقةً أو أَشَفَّ قليلًا ..

ثُم جاءه الملعون؛ وقال: أمعك ما تشترى به؟

فسَكَتَ سَكْتةً ظَنَنْتُ معها أنَّ أنفاسَه قد أبتْ عليه أنْ يتنفَّس بها!

فلما عَرَفَ الملعون حالَه = لطَمَه على وجهه وقفاه، وقذف به فى الطَّريق .. ثُمَّ سأله: أَتَقْرَمُ إلى الزِّيادة؟ - استهزاءً به واستخفافًا ..

جُنَّ، واستغاثَ، وانْقَلَبَتْ حمَاليقُ عيْنيه، ثُمَّ سَقَطَ مَغْشيًا عليه ..

وبعد بُرْهة ..

إذا به يَعَضُّ بِنَابه، ويَخْمِشُ بظُفره، ويَرْكل برجْله، ويُخَرِّقُ ما سَتَرَ عَوْرَتَه قِطعةً قِطعةً، ويَلْطِمُ وَجْهَه، ثُمَّ ضَرَبَ بنفسه الأرْضَ، وتَمَرَّغَ فى التُّراب الذى ابْتُلَّ بدموعه ودمه ..

إنَّه فى حالةٍ تُصيبُك بالهَيْضَة!!

قالَ فى صوتٍ آسِفٍ– قد ثَقَبَ القلبَ، وأوْهَنَ الرُّوحَ، وجَابَ الصَّخرَ، وأَذَابَ الحدِيدَ-:"لقد أَطَعْتُ داعيةَ الشَّرِّ، وذَهَبْتُ مع سَانِح الوَهْم، فَصِرْتُ كهْفًا قد حُفِرَتْ فيه قبور موحشة لا ترى فيها إلا الظلام! .. دُمْية الشَّأن كلّ

الشَّأن لمن بيده خيوطها التى تحركها .. لقد لجأتُ إلى غير مَلْجأ، وفزعتُ

إلى غير مَفْزع، وكُبِّلتُ خلف جدران الوَهْم .. لقد اغتررتُ بالسَّراب ... "

الْتَفَّتْ عليه فتنٌ لم تَدَع منه موضعًا إلا مَسَّته ونَقَعَتْ فيه مِن شِدَّتها .. حَلَقَتْ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015