ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[01 - 11 - 2013, 09:37 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد: فقد التمس مني كثير من طلاب العلم أن أضع شرحا مختصرا لمتن (عروق الذهب)، فلم أر بُدًّا من إجابتهم، فهذا شرح مختصر وضعته عليه، وسميته: (تُومَة الأدب في شرح عروق الذهب)، والتُّومة في اللغة: الدُّرَّة، ولمَّا أُتمُّه بعد، وقد وجدتُني أُشغَل عنه وأنساه، فرأيتُ أن أضعه هنا شيئا فشيئا، ليكون ذلك أنشط لي، ولأستفيد من آراء الإخوان ونصائحهم، فإذا فرغتُ منه جمعتُه في ملف واحد -إن شاء الله- ليسهل الانتفاع به.
وقد حرصتُ فيه على الاختصار ليناسب الطلاب المبتدئين، ونقلتُ فيه عن شروح الحماسة وغيرها من كتب الأدب واللغة، وزدت على ذلك شيئا كثيرا، ولم أفصِل بين الذي نقلتُه وبين الذي أنشأتُه، لأن في النص على كل نقل تطويلا بغير فائدة، وتقطيعا للكلام بأن هذا قال كذا وهذا قال كذا، وإنما أريد أن يكون الكلام متصلا متآلفا، وحسبي أن أذكر في مقدمتي هنا أنني استفدت من شروح الحماسة، وربما نقلتُ بعض كلامهم بحروفه.
وأرجو ممن رأى خللا أو نقصا أن يبين لي ذلك، وأسأل الله أن ينفعني وينفع طلاب العلم به.
فاصل1،،،فاصل1
رابط المتن لمن أراد الاطلاع عليه:
http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=7005 (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=7005)
فاصل1،،،فاصل1
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[01 - 11 - 2013, 10:07 م]ـ
المقطوعةُ الأُولى
قال رجل من بني تميم:
1 - أَبَيْتَ اللَّعْنَ إِنَّ سَكَابِ عِلْقٌ * نَفِيسٌ لا تُعارُ ولا تُباعُ
الشرح:
هذه الأبياتُ لرجُل من بني تميم اسمُه عُبَيدَةُ بنُ ربيعةَ المازني، من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وتميمٌ من مُضَرَ بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدنان.
قالها وقد طلب منه بعضُ الملوك فرسًا يُقال لها سَكابِ فمنعَه إياها، وقيل: إن هذا الملكَ من ملوك اليَمَن.
وقد نُسبت الأبياتُ أيضا للقُحيف العِجْلي، وبنو عِجْل من بني بَكر بن وائل، وهم من ربيعةَ بن نِزار أَخي مُضَرَ بن نِزار.
و"أبيتَ اللَّعنَ": كَلِمَةٌ كانت العَرَبُ تُحَيِّي بها مُلوكَها في الجاهلية، ومعناها: أبيتَ أيُّها الملكُ أن تأتيَ ما تُلْعَنُ عليه، وهي دُعاءٌ بالبَراءَةِ من النَّقائص، أَي: لا فَعَلتَ ما تَلعَنُكَ الناسُ بسَبِبِه.
وإنما قال الشاعرُ: "أبيتَ اللَّعنَ" لأنه يُخاطب بالأبيات الملكَ الذي طلب منه الفرس.
و"سَكاب": اسمُ فرسِه، فإذا أعربتَه منعتَه من الصرف لأنه عَلَمٌ لمؤنَّث، وهي لغةُ بني تميم، والشاعر تميميٌّ، وهذه لغةُ قومه، فتقولُ في البيت: "إنَّ سَكابَ".
وإذا بنيتَه على الكسر أَجريتَه مُجرَى (حَذامِ) و (قَطامِ)، فتقول: "إنَّ سكابِ"، وهي لغةُ أهل الحِجاز.
و"سَكابِ": مأخوذٌ من سكبتُ الماءَ إذا صببتَه، كأنها تَسكُب الجَريَ سَكْبًا، فسمَّاها من فِعلِها، كما قيل للضَّبُع جَعارِ لأنها تَجعَر، وللمَنيَّة حَلاقِ لأنها تَحلِقُ، أي: تُهلِكُ وتَستَأْصِل.
و"العِلْقُ": النَّفيسُ الكَريمُ من كلِّ شيء، سُمِّيَ بذلك لتَعَلُّق القلبِ به.
يقولُ: هذه الفَرَسُ مَتاعٌ نَفيسٌ، وعِلْقٌ كَريم، لا يُعرَضُ للبَيع ولا يُبذَلُ للإعارة.
ـ[صالح العَمْري]ــــــــ[02 - 11 - 2013, 12:04 ص]ـ
2 - مُفَدَّاةٌ مُكَرَّمَةٌ عَلَيْنَا * يُجَاعُ لَهَا العِيَالُ ولاَ تُجَاعُ
الشرح:
قوله: "مُفَدَّاةٌ"، معناه أَنَّها تُفدَّى بالأَب والأُمِّ والنَّفس وغير ذلك، أي يقولون لها: فِدًى لكِ أَبي وأُمِّي وجُعِلتُ فَداكِ وما أشبَه ذلك، لكَرَمِها عليهم.
وقولُه: "العِيال"، عِيالُ الرَّجُل: هم الذينَ يتكفَّلُ بهم ويَعُولُهم، واحدُهم عَيِّل.
والعَيِّل في الأَصل ذو العَيلة، وهي الفَقْر، فسُمي العِيالُ بذلكَ لأنهم يَحتاجون إلى هذا الرَّجُل الذي يَعُولُهم ويُنفِقُ عليهم.
وقولُه: "يُجاعُ لها العِيالُ ولا تُجاعُ"، أي: تُؤثَرُ بقُوتِهم في الجَدب والشِّدَّة.
يقولُ: إذا كان جَدبٌ وشِدَّةٌ ولم نَجِد ما يَكفي عِيالَنا ويَكفيها آثَرناها بالقُوتِ على عِيالِنا، فنُجيعُهم ولا نُجيعُها، لكرامَتِها علينا.
وهذا القُوتُ الذي يُؤثِرونها به على عِيالِهم هو اللَّبَن، فيَقصُرون ألبانَ إبلِهم عليها، وليس المرادُ ما تأكُلُه من العَلَف، فإنَّ هذا ليس ممَّا يَأكلُه العِيال، فلا مَعنى لإيثارها به، وإنما المرادُ ألبانُ الإبل.
وقد يكون بعضُ عَلَفها مما يأكلُه الناسُ كالشَّعير، فيجوزُ أن يكونَ الشَّعيرُ داخلًا في ما تُؤثَر به هذه الفَرَسُ على العِيال إن كان الشاعرُ من أَهل القُرَى، لأنَّ الشَّعيرَ من عَلَف أَهل القُرَى دون أَهل البادية، قال مقَّاسٌ العائِذيُّ يُعَيِّر امرَأَ القَيسِ الكَلْبيَّ بالفِرار:
تَذَكَّرَتِ الخَيلُ الشَّعيرَ عَشِيَّةً * وكُنَّا أُناسًا يَعلِفونَ الأَياصِرا
يقول: أَنتُم أهلُ قُرى، تَعْلِفونَ خيلَكُم الشَّعيرَ في الأَمن، فإذا صِرتُم إلى الحَرب وفارَقَت خيلُكم الشعيرَ تذكَّرتْه واشتاقَت إليه، فكأنَّها فَرَّت بكم لتَذَكُّرها الشعيرَ وحنينِها إليه، ونحنُ أهلُ بادية نَعلِفها الخَلَى} في السِّلْم والحَرب، فسِيَّانِ عندَها هذا وهذا.
وإنَّما يتَهكَّمُ بهم، لأنَّهم فرُّوا خَوفًا وفَرَقًا بعدَ ما غُلِبوا، فتَهَكَّم بهم وجَعَل الخَيلَ هي التي فَرَّت بهم لمَّا تَذكَّرَت الشَّعيرَ وحَنَّت إليه.
والمقصودُ أَنَّ إيثارَ الخَيلِ على العِيالِ بالقُوتِ ممَّا تَفخَر به العَرَبُ وتَمدَحُ به، وذلك كثيرٌ في أَشعارهم، وإنَّما يَفعلونَ ذلكَ مع الفَرَس الكَريمة، فلذلكَ ذكَرَ الشَّاعرُ أَنَّه يُؤثِر فَرَسَه سَكاب بقُوت عِيالِه ليدُلَّ بذلكَ على عِتقِها وكَرَمها، وليدُلَّ -أَيضًا- على حُبِّه لها، وأَنَّ نَفسَه لا تَسمَحُ ببَيعِها وإِعارَتِها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
{الخَلَى: النَّبْتُ الرَّقيقُ كُلُّه ما دامَ رَطْبًا، فإذا يَبِسَ فهو حَشيش.
¥