تصِحُّ في غير اسمِ العين. ويشهَد لهذا الوجهِ الحديثُ: (والحَمولة المائرة لهم لاغيةٌ)، أي: مُلغَاة. فإن (لاغية) في هذا الموضعِ لا تحتمِل غيرَ النسبِ. وإذا صحَّ ثبوتُها بهذا المعنَى في هذا الموضع، جازَ أن تكونَ واردةً في غيرِه.
وقالوا: ألغاه يُلغِيه إلغاءًا، إذا أسقطَ قيمتَه.
واستلغَاه: طلبَ منه أن يلغُو (على القياس).
والملاغاة: المهازَلةُ. وذلكَ أنَّ الهَزْل ضربٌ من اللَّغْو. وقد يأتي بِناءُ (فاعلَ) في المعنَى الذي يكثُر فيه المقابلةُ، وإن لم تقعْ، كما قالَوا: (شاتَمَه) للبادئ بالشتم، وإن لم يقابله المشتومُ بالمثلِ. وكذلكَ (الملاغاة)، ألا تَرى أنَّ الرجلَ قد يهازِلُ صاحبَه، ثمَّ لا يقعُ منه ذلكَ موقِعَه، ولا يصيبُ لديه موضِعَه. فهذا بيانٌ لهذه المسألة، أردنا لكَ أن تحيطَ بصورتِها، وتأنَسَ إليها.
=وجوه استعماله:
وقد سمَّوا بـ (اللَّغْو) ساقطَ القيمةِ على سبيلِ المجاز المرسَلِ، ذي العَلاقةِ التلازميَّة، لأنَّ (اللَّغْو) في الحقيقةِ معنًى، وهم وسمُوا بهِ ما قامَ به هذا المعنَى، كمثلِ تسميتِكَ الشيءَ الفاسِدَ فسادًا. ويجُوز أن يكونَ من بابِ الاستِعارةِ، حيثُ لم يَرضَوا أن يجعلُوا هذه الأشياءَ متلبِّسَةً بـ (اللَّغو)، حتى جعلُوها هي اللغوَ نفسَه إيغالاً في المبالغةِ، والتوكيدِ، كما قالُوا: (هو عَدْلٌ، ورِضًا). ثمَّ تُنُوسِيَ الاستِعمالُ الحقيقيُّ للكلمةِ، وحلَّ الاستِعمالُ المجازيُّ مكانَه، وأصبحَ حقيقةً عرفيَّةً.
=ومن وجوهِ استعمالِه على هذا النحوِ إطلاقُه على:
1 - ما لا خيرَ فيه، ولا نفعَ من الكلامِ. ومنه قولُه تعالَى: ((والذين هم عن اللغوِ معرِضون)) [المؤمنون: 3]، وقولُه: ((لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلامًا)) [مريم: 62].
2 - ما لم ينعقِد عليه القلبُ من الأيمانِ. ومنه قول الله تعالَى: ((لا يؤاخذكم الله باللغوِ في أيمانِكم)) [البقرة: 225].
3 - أولاد البهائم ما عدا أولادَ الإبِلِ. وذلكَ أنَّها إذا بِيعت أمَّهاتهنَّ، تبِعنَهنَّ بلا ثَمَنٍ.
4 - ما لا يُعدُّ من أولادِ الإبِل في الدِّيَة، قالَ ذو الرمةِ:
ويهلِك بينَها المرَئيُّ لغوًا ... كما ألغيتَ في الدِّية الحُوارا
=وقد استعملُوه على سبيلِ المجازِ:
1 - فسمَّوا به أصواتَ البهائمِ، وخاصَّةً الطيورَ، لأنَّهم لا يَفهمونَ عنها، ولا يفقَهونَ معانيَ أصواتِها، فشبَّهوها بما لا قيمةَ له، ولا نفعَ على جهةِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ، وإن كانت في نفسِها ذاتَ نفعٍ لمن يَفهَم منطِقَها من أبناء أمَّتِها. قالَ ثعلبةُ بنُ صُعيرٍ المازنيُّ:
باكرتُهم بسِباءٍ جَونٍ ذارعٍ ... قبلَ الصَّباح، وقبلَ لَغْوِ الطائرِ
2 - وقالوا: (اللَّغْو)، و (اللغَا)، و (اللغْوَى). وهي مصادر. ثمَّ أطلقُوها على لازِمِها، كإطلاقها على ما لا خيرَ فيه من الكلامِ. وهو مجازٌ مرسَل، عَلاقتُه التلازميَّة. وهو مذهبٌ شائعٌ في كلامِهم. ومنه قولُ العجَّاج:
* عن اللَّغَا، ورفَثِ التكلُّمِ*
الأصلُ الثاني: (مَعْنويٌّ)
وهو: لزُومُ الشيءِ، واللهَج به.
=تصاريفه:
يقالَ: لغِيَ، ولغَا يلغَى (على مِثال فرِحَ، وفتَحَ) لغًا.
=وجوه استعماله:
من وجوه استِعماله، وكلُّها حقيقةٌ، قولُهم:
1 - لغِيَ بالماء.
2 - لغِيَ بالشَّراب.
3 - لغِيَ بالكلامِ.
=التفريعاتُ الاشتقاقيَّة لهذا الأصل:
خصَّصتِ العربُ بعضَ أفرادِ (اللَّغَا)، وهي لزومُ الكلامِ خاصَّةً، بمصدرٍ لا يشرَكها فيه غيرُها، وهو (اللُّغَة). وذلكَ ما نسمِّيه (التخصيصَ بالوضع)، أي: تخصيصَ بعضِ ما يجُوز دخولُه تحتَ لفظٍ من الألفاظِ بلفظٍ خاصٍّ به، مقصورٍ عليه، ينفصِل به عن غيرِه. وهو طريقٌ مستَتِبٌّ مُعمَلٌ. وفيه ما يؤذِنك ببَراعةِ العربيَّة، ولُطفِ اشتقاقِها، وانفساحِ مطارحِها. ونظيرُ هذا قولُهم: (أثامٌ)، و (إثامٌ) لعقوبةِ الإثمِ، فأفردوها بمصدرٍ معَ أنَّ عقوبةَ الإثمِ من مَّا يشتمِلُ عليه (الإثْمُ) من طريقِ المجازِ. ثمَّ إنهم تصرَّفوا بـ (اللغة) متصرَّفًا آخرَ، فركِبوا بها سبيلَ المجازِ، حيثُ خرجُوا بها من دلالتِها على الحدَث إلى أن سمَّوا بها الألفاظَ المتكلَّمَ بها من طريقِ المَجاز المرسَل ذي العَلاقةِ التلازمية. وذلك أنَّهم ذكرُوا (اللغة) وهي في الأصل دالة على الحدثِ، وأرادوا بها لازِمَها، وهو الكلامُ. وليس هذا بمستنكَرٍ في
¥