ملتقي اهل اللغه (صفحة 2852)

-" جعلنا لأحدهما" تعبير يؤكد مقصدية التجنيس ... فلم تجعل الجنتين لأفقرهما أو أصغرهما أو أتقاهما ... بل لأحدهما .. و"أحدهما" صادقة على أي منهما.

فكأن البيان القرآني بأسلوب الإبهام يضع أمام الفكر أحداثية المنطلق والمنتهى ليقدر بدقة اختلاف الأقدار والمصائر ...

لم يكن في البدء إلا رجلان ... أما النهاية فسنعلمها بعد حين.

رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ...

هذه الجملة مبنية على التوتر ... ومن ثم كانت عمود المثل ومؤسسة للحدث والموقف: فكل التفاصيل وكل النتائج تمت بصلة إليها:

"رجلين" /"جنتين" .... تعادل وتشاكل.

"جعلنا لأحدهما"كسر للتعادل وتدشين للتوتر في صورة" الابتلاء":

الحدث واحد لكن الابتلاء مثلث:

-ابتلاء لصاحب الجنتين: أشكر أم بطر.

-ابتلاء للثاني: أصبر أم كفر.

-ابتلاء للقاريء/ الشاهد للقصة: أتسليم أم لجاجة .. فهنا مدخل موطأ لوسوسة إبليس:لماذا كان التوزيع على ذلك النحو ... رجل له جنتان اثنتان ورجل ليس له شيء ... ألم يكن أولى لو ...... -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-

لكنه سلطان الربوبية:

انظر كيف عبر بضمير الجمع الدال على التعظيم:"جعلنا"!

3 -

جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً {32}

لعل المقصد الرئيس من الذكر المسهب للجنتين وصفا واحتواء هو إظهار التنويع والشمول ..

ويتفرع عن أصل هذا المقصد ثلاث مقاصد فرعية أرتبها بحسب تزايد الأهمية:

1 - المقصد الجمالي.

2 - المقصد النفسي.

3 - المقصد الخلقي.

...

أولا: المقصد الجمالي:

البيان القرآني يظهر الجنتين لوحة جميلة في غاية التناسق: وجاء الوصف دقيقا-مع إيجاز-حتى أن المستمع لا يكاد يجد صعوبة في استحضار صورة الجنتين في ذهنه .. بل يمكن للمرء أن يأخذ القرطاس والقلم ويخطط صورة تقريبية للجنتين اثناء القراءة ... حتى إذا فرغ من القراءة وجد نفسه فرغ من الخطاطة ...

أعناب ونخل وزرع ...

شمولية لما ينبت من الأرض، وتنوع للثمار، وزينة في المشهد:

ذكر من الشجر نوعين .. ولما كان الشجر يراد لنفسه-الاستظلال والاسترواح- أو لثمره –استهلاك واستثمار-فقد نوع في التسمية لتحقيق الشمولية من هذه الجهة:

فذكر النوع الأول بالتنصيص على ثمره:الأعناب.

وذكر النوع الثاني بالتنصيص على شجره: نخل.

هذا التكامل مع التقابل يظهر مرة أخرى في شكل الامتداد في النوعين:

-فالنخل له امتداد عمودي فهو يتجه نحو الأعلى.

-والعنب له امتداد أفقي فهو ينتشر على الأرض.

فحصلت متعة العين في حركتيها معا.

-يمكن أن نلاحظ أن عنقود العنب يجنى غالبا من أسفل ... وطلع النخل يسقط من أعلى .. فكأن الرجل -صاحب الجنتين- يأتيه رزقه رغدا من السماء والأرض معا!! -

ثم يأتي الزرع –أو المساحة المزروعة-لتقسم اللوحة إلى قسمين متناظرين:

جنة على اليمين وجنة على الشمال.

ثم يأتي النهر ليحدث تقسيما عكسيا فيكون في الجنتين قسم شمالي وقسم جنوبي ..

(الشمال والجنوب في تقسيم النهر ليس ضربة لازب فقد تتخيل النهر يقسم من البعد الأخر)

واختراق النهر للجنتين معا ظاهر في البيان القرآني عند قوله عز وجل: ?وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً {33} وهكذا تكتمل اللوحة أمام العين المتأملة:

أعناب محفوفة بالنخل في مثل دائرتين ... زرع في مساحة فاصلة بين الدائرتين ... ثم نهر يخترق العنب والنخل والزرع ...

لكن لماذا كانت الجنتان على هذا النحو؟

أليس في جغرافيتهما ما يوحي بإمكان التقسيم العادل:

ماذا لو جعل الزرع محورا ممكنا في التقسيم؟ لي يمينه ولصاحبي شماله.

ماذا لو جعل النهر محورا ممكنا للتقسيم؟ لي شمال النهر ولصاحبي جنوبه.

لا ننس أن القصة كلها للابتلاء ... وبدايتها رجلان جعل الله لأحدهما جنتين ليرى -عز وجل- كيف يصنع.

فالبعد الجمالي يستبطن بعدا أخلاقيا.

ثانيا: المقصد النفسي:

للجنتين انعكاسات جمالية في بصر صاحبها .. كما لهما إيحاءات نفسية بالغة الأهمية ...

هذه الإيحاءات تنصب في بؤرة واحدة هي: استشعار الأمن والإحساس بالطمأنينة.

1 - حففناهما بنخل:

يبدو أن الثروة الأساس هي العنب: قال عز وجل:"جنتين من أعناب"أما النخل فقد أنيطت به وظيفة أخرى هي الحماية –مع كونه من ضمن الثمرات- فالنخل يحف الجنتين بحيث يتم عزلهما عن الخارج .. واضح أن قامات النخل الباسقات ملائمة لهذا الشأن ... ويستتبع هذا العزل تمحض الملكية ... والإحساس بالتملك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015