ملتقي اهل اللغه (صفحة 12243)

وها أنا أعاود الحديث مرة أخري فهذه مجرد مسودة أقيّد فيها بعض الأحداث والأفكار قبل أن أصوغ الحكاية وآتي ببقية الأحداث ...

(إسلام) حكاية قديمة جديدة تثير فى نفسي كثيراً من الشجون .. (إسلام) هو الكمال الإنساني الذي ينشده المصلحون الأنقياء وهو الضلال الأبدي الذي يفر منه البررة الأتقياء .. رغم مرور السنون إلا أن روحه العبقة يُخيّل لى أنها تطوفُ حولي أو تزورني تارة معاتبة، وتارة لتثير في نفسي الكثير من التساؤلات ...

دعوني إذن أقصُّ عليكم بعضَ اللمحاتِ والأطياف البعيدة التي بقيت فى ذاكرتي عن (إسلام) ...

كنتُ أتعامل معه بحذر شديد، رغم تشوّقى لمعرفة قصته وشفقتي عليه ورغبتي في مساعدته إلا أن عقلي كان يمنعني من الكثير من التصرفات ومزيد من الاقتراب منه ... المرة الثانية التي رأيته فيها كانت وأنا خارج إلى صلاة الفجر وإذ به يناديني بتلهف وصوته يجذبني إليه جذباً متلفتاً يمنةً ويسرة كأنه يقول لي أخيراً: قد عثرت عليك بعد طول غياب!

تعجبتُ قليلاً لودِّه ولطفه معي رغم أنه كان في اللقاء الأول صلباً شديداً لا يلين، سألته عن أخباره فحمد الله وأخبرني أنه يريد أن يراني فقلت له أنى سأحاول التواصل معه.

شعوري أنه معي دائماً وأنه ربما يسبب لي مشاكل لم يكن محض خيال بل فوجئت بزملائي في مكان عملي المسائي يخبروني أنه أتى واختبأ فى سندرة المسجد ليلاً وكُشف أمره فسأل عني وأراد أن يبيتَ في المسجد ... ولتصرفاته الغريبة سأله إمام المسجد عن بطاقته الشخصية فتهرّب وانصرف.

قابلني بعدها إسلام وقد أخبرني بنصف الحقيقة أنه طلب منهم أن يبيت في المسجد، وأخبرني أن هؤلاء القوم لا يعرفون من الإسلام غير المظهر أما المخبر فخواء وهواء، قال لى: العلم الخشية! فإذا لم تكن خشية فهم جهال وإن كانوا حُفاظاً حاولت تهدئته والاعتذار عنهم والتمست له العذر فيما فعل، كان يُحدثني كثيراً ويحكي لي عن حياته السابقة بفلسفة عالية وحكمة رجل مجرّب حطمته الحياة وخبرها، رغم اضطراب كان فيه إلا انه يحكى الوقائع بدقة وتشويق.

الأبكم الفصيح

إسلام شاب فى أواخر الثلاثينات أو أربعينى العمر تراه تشعر بقوةٍ في جسده وصرامة في وجهه مع غموض وشك يعتريه، إلا أنه في المجمل كان رجلاً لا تشك أنه مثقف ومهذّب لولا حدة تعتريه الفينة بعد الفينة ... تشعر فيه بعزة وشموخ مع يسر وتواضع، كان يحمل في يديه دائما العديد من الأكياس التي بها متاعه الشخصى، فلا تكاد تشك أنه يحمل في الكيس الأول غرفة نومه وأن الكيس الثاني مطبخه الصغير والكيس الثالث مكتبته المتواضعة المكونة من (مصحف – حصن المسلم – أذكار) ... كنتُ كثيراً ما أعجب به وعن تخليه عن متاع الدنيا إلا أقل القليل وشعوره بالعزة فلا تراه مع حاله إلا في كبرياء مهيب ورضا مُعجب بل مُعجز ... (إسلام) زعيم مصلح ... أو قل هو عابد أو فيلسوف حكيم بل هو صوفي مجاهد وسلفي زاهد (إسلام) كوكب إنساني يسبح فى مجرةٍ وحده ... ولكن لماذا .... ؟!

(إسلام) كان يُمثّل على الجميع أنه أخرس لا يتكلم لكنه كان يتكلم معي وحدي فرآه من يعرف قصته وهو يحدثني فقال أنت تعلم أنه يتكلم وممثل هل أنت مجنون مثله هل تريد أن نأتي لك بالأكياس وتمشى وراءه وتدخل فى عداد المجاذيب!

لماذا يختار هذه الأماكن!

يختفى أحيانا عنى فأسمع بظهوره فى مسجد جديد ثم أقابله ولا أحكى له عما عرفت عنه، ويختفى مرة أخرى فأسمع بظهوره فى مسجد آخر وهكذا تكون الحلقة متواصلة إلا أنه كان لا يختار إلا مساجد السلفيين وأنصار السنة؛ أمر مريب لماذا لا يظهر إلا في هذه المساجد فقط!

ماذا يفعل تلك الأوقات الطويلة وماذا يريد؟!

والكل يُخبر بصفة عجيبة فيه يدخل إلى الحمام ويغيب وقتاً طويلاً جداً؛ حين يستفسرون منه يجيب هذا مفعول السحر الذي سحرتني به عمتي عظيمة وأختها نظيمة.

إسلام والاختبار الصعب

ها قد جاء الشتاء بأعاصيره وبرودته، ولازال إسلام يفترش الأرض ويلتحف السماء لا يملك إلا بعض الملابس الثقيلة التي يلبس منها طبقات بعضها فوق بعض في وقت تجد فيه الأمطار غزيرة وصوت الرعد مفزع وهو ينام في الطرقات أثّر ذلك في نفسي حتى كنت أنام على سريري تحت الألحفة الثقيلة وأشعر بالبرد وأتألم له تسقط دمعاتي الحارة على وجهي الذى بَرُد من الخوف عليه فتتساقط الدمعات كتلك الأمطار التي تتساقط على جبينه رغم أرديتي وأغطيتي إلا أني حين أتذكره يرتجف جسدي من البرودة وأقول لابد أن أنقذه من هذا العذاب الذي يعيشه .. قرار صعب ... هل أستضيفه وماذا عساي أن أقول لوالدي ولأخي وهما قد سمعا عنه ويعرفان حاله ثمّ أليس من الممكن أن يكون قاتلاً أو سارقا أو ساحراً أو .....

لماذا يتتبعني وقت الفجر ثم وأنا عائد من عملي ثم ... في كل مكان!

أليس القوم الذين يذهب إليهم على حق؟ لماذا إذن لا يساعدونه؟ لا يثقون به دوماً ... ولكنه رجل مسلم وقع فى ضيق هل نتركه هكذا يبيت في الشوارع ولا مال عنده!

(محمد) شاب زاهد متدين كثيراً ما يتهمه الآخرون بالتشدد والتضييق على نفسه والانغلاق ... لكن عند الشدائد تبين المعادن ... (محمد) هو الوحيد الذي أدخله بيته وقدّم له الطعام ... دائما ما تثبت يا (محمد) أنك أفضلنا ... آسف يا (إسلام) أعلمُ أنى قد خذلتك لكني لا أستطيع التصرف ... كم تألمت لك! وشعرت بالعجز من أجلك!

ظهور جديد

اختفى إسلام مرة أخرى ولكنه عاود الظهور فى حلقة من حلقات التجويد وتفاجأ الجميع أن يقرأ بالقراءات المختلفة وبأحكام تجويدية منضبطة لابد أنه تخرج من أحدى معاهد القراءات ... نعم تذكرت هو أخبرني أنه عاش فترة فى القاهرة وكان يدرس علم القراءات يا لك يا (إسلام) من شخص عجيب تعرف الكثير من العلوم والثقافات.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015