ملتقي اهل اللغه (صفحة 12040)

أربعة نماذج أبهرتني

ـ[ابتسام البقمي]ــــــــ[08 - 12 - 2011, 02:33 ص]ـ

العنوان: أربع نماذج أبهرتني

الإنسان معجزة إلهية في خلقه وإحكام هذا الخلق، وكون الإنسان يتمعن في نعمة واحدة من نعم الله _ تعالى _ عليه كنعمة البصر مثلا، ويستشعر أهميتها في حياته؛ فإن ذلك يبعث في نفسه عمق الإيمان بالله _ سبحانه _ وتعظيم شكره، والشعور بامتنانه، وفضله على الإنسان.

وقس على ذلك نعمة السمع، ونعمة العقل وهي من أكبر نعم الله _ تعالى في علاه _ على الإنسان السوي، لكن في الحياة أناس حرموا من بعض هذه النعم كنعمة السمع أو البصر أو السير على أقدام معافاة، غير أن رحمة الله أعظم بالإنسان، وهو أعلم بما يصلحه، فلئن كان الله سلبه نعمة فإنه يعطيه قوة مضاعفة في نعم أخرى كالعقل؛ فيفوق بعقله وحدة ذكائه الكثير من الأصحاء، وقد يكون مشلولا، ولكنه يبدع وربما يخترع أو يتميز في مجال معين، أومجالات علمية أو تقنية، أو فنية، أو أدبية، أو غيرها.

وبحق الإعاقة الجسدية ليست إعاقة حقيقية؛ وإنما الإعاقة الحقيقية هي الإعاقة الفكرية، أو الاجتماعية، أو النفسية.

وقد يكون الإنسان معاق ويتفوق على كثير من الأصحاء ويحقق تميزا وتفردا.

وفي هذا المقام أقول: لقد سمعت وقرأت ورأيت بأم عيني أربعة نماذج من كفيفي البصر أبهروني، وأجبروني على أن اسجل لهم بمداد من ذهب كلمة حق وإشادة بهم هم يستحقونها بجدارة، وتكون حافزا للأصحاء بأن يعملوا عقولهم، ولا يقفوا في حياتهم عند نقطة واحدة، واسمحوا لي أن احتفظ بالأسماء لنفسي.

أما النموذج الأول: فهو رجل كبير في العمر من أهالي مكة المكرمة كفيف البصر أخبرني أحد الذين يعرفونه بأنه يقود السيارة حتى في الليل، ويعرف الطرق كما يعرفها المبصرون؛ حتى أنه طلب ذات مرة من أحدهم أن يوصله إلى أحد الأسواق فأخلف هذا الطريق، وذهب إلى سوق آخر؛ فنبهه هذا الكفيف، ومن العجيب أنه هجم عليه ذات مره حرامي في بيته؛ فاستطاع هذا الكفيف بذكائه العالي، وحسن تصرفه أن يقبض عليه، ويسلمه الشرطة بمساعدة ابنه.

أما النموذج الثاني: فهو شاب من أهالي مكة المكرمة كفيف البصر، يقول لي أحدهم: أن من يسمع هذا الشاب وهو يكثر المشاركة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، والصحفية، ويناقش بتميز وحضور ذهن يتصور أنه يشرب من كأس معبأ بالمعلومات.

النموذج الثالث: طفل صغير كفيف البصر كتب عنه في صحيفة عكاظ بتاريخ الأثنين 2 محرم 1428 هـ، يقول الخبر أنه حضر ذات مرة عند الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة _ رحمه الله _ وقال ياسم الأمير دعني أتحسس وجهك؛ لأنني أريد رسمه، وسمح له الأمير الطيب بتواضعه وطيب قلبه؛ فرسمه الطفل رسمة مقاربة جدا للحقيقة، ونشرتها الصحيفة في ذات العدد، في ملحق خاص عن الأمير عبد المجيد _ رحمه الله _ فقال له الأمير: كيف رسمتني، فقال: بقلبي؛ هنا شعرت بالدهشة وعلمت يقينا أن الإعاقة قد تكون نعمة من الله _ تعالى _ وإن كانت في ظاهرها نقمة.

النموذج الرابع: فتاة كقيقة البصر رأيتها بأم عيني تجري اختبار في جامعة أم القرى، وتملئ الإجابات على من كانت ترافقها؛ فهي لم تيأس من إعاقتها وتتقاعس عن مواصلة الدراسة الجامعية (فلله درها وحفظ الله لها باقي حواسها قوية سليمة).

مثل هذهالنماذج نحييها تحية إجلال وإكبار؛ لأنها انتصرت على الإعاقة الجسدية بقوة الإيمان، وفجرت طاقاتها الإبداعية.

في هذا المقام أوجه ثلاث رسائل:

الرسالة الأولى: لكل معاق أن لا ييأس، ولايقنط من رحمة الله، ويبحث ويفتش في ذاته، ومواطن القوة والتميز، ويواصل كفاحه الدؤوب لبناء ذاته البارعة.

الرسالة الثانية: إلى الأسرة والمجتمع بكافة مؤسساته أن يعتنوا بهذا المعاق عناية خاصة، وأن يساعدوه لاكتشاف ذاته، فهو ليس بحاجة إلى نظرة الشفقة والحنان، بقدر ماهو بحاجة إلى الشحن المعنوي لإعطائه الثقة بنفسه وبقدراته.

الرسالة الثالثة: إلى حكومتنا الرشيدة أن يؤلوا هذه الفئة ما تحتاجه من الدعم، وهي كذلك تفعل، لكن نطمح إلى الاستمرارية.

قفلة للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:

ضعف العزيمة لحد، في سكينته ....... تقضي الحياة، بناه اليأس والوجل

وفي العزيمة قوات مسخرة .............. يحز دون مداها الشامخ الجبل

والناس شخصان: ذا يسعى به قدم .... من القنوط، وذا يسعى به الأمل

هذاإلى الموت، والأجداث ساخرة ...... وذا إلى المجد، والدنيا له خول

ما كل فعل يجل الناس فاعله ............ مجدا، فإن الورى في رأيهم خطل

ففي التماجد تمويه، وشعوذة ......... وفي الحقيقة مالا يدرك الدجل

ما المج إلا ابتسامات يفيض بها ........ فم الزمان، إذا ما انسدت الحيل

وليس بالمجد ما تشقى الحياة به ....... فيحسد اليوم أمسا، ضمه الأزل

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015