ـ[أبو سعد المصري]ــــــــ[17 - 02 - 2012, 11:08 م]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،
فإن الإشكالية القائمة بين المنهج الإسلامي (الفكر الإسلامي) وأي فكر آخر أن الإسلام قائم أصلا على رعاية المصالح الدنيوية والأخروية للإنسان.
وهذا لا تجده في أي فكر آخر وإنما تجد هذه الأفكار قائمة على تعظيم المنافع الدنيوية دون النظر للجانب الأخروي.
وهذا هو الخيط الدقيق الذي يوضح لك رفض المنهج الإسلامي مثل هذه الأفكار.
فمثلا الإسلام يقول للمكلَّف افعل كذا، ولا تفعل كذا
وهذا الفعل الذي يأمره به قد يكون في نظر المكلَّف أمرا ليس له أهمية كبيرة - أو هكذا يتصور- ولكنه في حقيقته أمر مهم جدا لمصلحة المكلَّف أخرويا وربما دنيويا لو أمعن النظر، فقد لا يدركه إلا بالبحث والتنقيب والدربة والخبرة.
وربما ينهاه الإسلام عن فعل هو في نظر المكلَّف لا إشكال فيه، بل هو حرية شخصية - أو هكذا يتصور -، ولكنه في حقيقته من الأهمية بمكان أن يمتنع عنه المكلَّف ولا يقربه ولا يرتكبه رعاية لجناب المصلحة الأخروية وربما الدنيوية أيضا والتي قد لا يدركها أيضا المكلَّف إلا بالبحث والتنقيب والدربة والخبرة وإمعان النظر.
إذا فالأمر والنهي في الإسلام ليس قائما على رعاية المصالح الدنيوية المادية وتعظيهما فحسب كما هو الحال في أي فكر آخر، وإنما يقوم كما ذكرنا على رعاية جانبي المصلحة الدنيوية والأخروية، فهو قائم على ما يصلح دنياه من مأكل ومشرب وملبس وعمارة للأرض ... إلخ، وقائم أيضا على ما يصلح آخرته فيما يخص عقيدته وسلوكه وخلقه ... إلخ؛ مما يحفظه من الهلاك والعقاب ويضمن له النجاة والثواب.
وهذا لا تجده مثلا في الفكر الليبرالي أو العلماني المتحرر من هذا القيد وهو رعاية المصالح الأخروية، وإنما يقوم على تعظيم المنافع والمصالح الدنيوية دون النظر إلى المصالح الأخروية؛ وإن تعارضت هذه الدنيوية مع الأخروية.
لذلك تجد في الفكر الليبرالي مثلا لو تم وضع بعض القيود على بعض المصالح الدنيوية لن يكون هناك إشكالية عندهم البتة، وسيكون الأمر مستساغا لأنه نابع من أهواءهم، ولا إشكال عندهم في ذلك، وبالتالي فأي قيود يضعها يخضعون لها بلا تزمر أو سخط.
أما لو وضع الإسلام مثل هذه القيود رعاية لجانب المصالح الأخروية لقالوا هذا هو حكم الإسلام الذي يحييد حرية الأفراد!!
بينما الإسلام ليس كذلك، وإنما الإسلام جاء من عند حكيم خبير مدبر خالق.
فخالق البشر يعلم ما يصلح البشر وما يفسدهم، ليس بالنظرة الدنيوية القاصرة، بل بالنظرة الأعمق وهي التي عنيناها بالمصالح الدنيوية والأخروية.
إذن فنظرة الإسلام للحياة ولإطارها والأسس التي تقوم عليها نظرة شمولية أصيلة رصينة، بينما الأفكار الأخرى فنظرتها قاصرة مقتصدة غير أصيلة، وهذا كما قلت الخيط الدقيق الذي يوضح لك الإشكالية الكائنة وحقيقة الصراع القائم، وهذا الذي أقوله ليس فقط بمجرد النظر والتحقيق
وإنما هو ما أخبر الله تبارك وتعالى به في كتابه وبلغناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد أخبرنا الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا صلاح لنا ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا بهذا الدين
ولا مناص لنا من ذلك إلا اتباع الهوى ثم السقوط في الدرك والشقاء.
إذن فهذا كما قلت أمر ثابت مقرر بالقرآن والسنة - وكلاهما وحي -
وأيضا ثابت بالنظر والتحقيق
ثم هبنا لم نتحقق منه بالنظر
أفكان هذا يدعونا إلى العدول عن الإسلام إلى غيره؟
أقول
إن كان المسلم مسلما بحق وعن يقين جازم واعتقاد حازم وانتماء لازم فلا يضره ساعتها ثبت بالنظر أم لا
فمجرد ثبوته بالنص القرآني والنبوي فهذا كاف لأن يقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، بل لا يملك إلا هذا التسليم المطلق لأنه موحد عن حق ومؤمن عن جد.
أما إن كان مسلما اسما بلا تفعيل لهذه الصفة في نفسه وفكره وفهمه، فلن يهمه ذلك أصلا سواء ثبت بالنص والنظر أو أحدهما دون الآخر، لأنه ينطلق من منطلق الهوى، ونعوذ بالله من سلطان الهوى إن استمكن من إنسان دمره؛ إلا أن يقدر الله له غير ذلك.
وكذلك من لم يقع عليه اسم الإسلام يسلك نفس المسلك.
فالخلاصة أن الإسلام ينظر لحياة الإنسان في هذه الدنيا نظرة شمولية عامة أصيلة قائمة عى رعاية المصالح الدنيوية والأخروية.
لذلك فهو سبيلنا وهو قوتنا وهو مبتغانا وهو مصدر عزنا وفخارنا.
أما من تسمى بالإسلام اسما ظاهرا وفقط، فالأمر عنده مباينا لما عندنا مباينة تامة لما ذكرت، فهو لا يبالي إلا بهواه واختياره القاصر ونظرته القاصرة لهذه الحياة - لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشرب من هواه، فهذا قلب أسود -
فاختر لنفسك فإنا قد اخترنا ولن نرضى لأنفسنا عن الإسلام بشموليته بديلا
فإسلامنا حياتنا، لحمنا دمنا، له نحيا وهو قضيتنا
كتبه
المعتز بالله العلي الفقير لجوده الجلي
أبو سعد المصري
كريم أبو القمصان