فتنة القول بجواز الاختلاط (2/ 2)

محمد بن عبدالله البقمي

كنتُ قد سطّرتُ في مقالةٍ سالفةٍ؛ بعنوان " فتنة القول بجواز الاختلاط (1/ 2) " مواقف النّاس إبّان فتنة القول بجواز الاختلاط، وما انقسمت إليه النُّخَبُ العلميَّةُ والفكريَّة والثقافيَّة في البلاد.

ومن المُناسب لتكتمل صورة هذا المشهد؛ أن نُعْقِب هذه الصفحة بصفحةٍ أخرى، نُسوّد فيها الدروس والعبر التي اُستُفيدتْ من هذه الفتنة، لتكون موعظةً للعقلاء، ودرساً للأجيال، وعبرةً للمعتبرين .. لن أُطيل في التّقْدُمة والتّوطئة لهذه الدروس.

وأشرع في ذكرها على وجه الإجمال، وأعتذر مقدّماً عن سهو اليراع أو الإغفال، لكونها عفو الخاطر، قريبة المأخذ، سريعة التسطير، وإن شئت فقل "رأيٌ فطير"!.

فمن هذه العبر:

أولاً: بُطْءُ المشاريع التغريبية التي يُراد تمريرها على أهل هذه البلاد؛ لا يعني عدم تنفيذها، وإنَّما القوم يمشون رويداً رويداً، حتى يصلون، ومن عجيب ما يُذكر أنّني وقعتُ على تعقيبٍ نشره سماحة الشيخ الإمام ابن باز في (مجلّة البحوث الإسلامية، عدد 15، ص 6) على أحد "دعاة الاختلاط"، اقرأهُ ثَمّ - غيرَ مأمورٍ - لترى قِدم هذه الدعوات، فقد نُشر تعقيب سماحة الشيخ في ربيع الأول عام 1406هـ، أي قبل خمسةٍ وعشرين عاماً بالضبط!! فتأمّل ..

ولكأنّي بالقوم يسُوسُون مشاريعهم بقاعدة: (ليس المهم أن تكون الأسرع، بل المهمّ أن تصل!).

ثانياً: أعادت هذه الفتنة لعلماء الأمّة الصادقين الناصحين (ولا أعني بالضرورة الرسميين) مكانَتَهم اللائقة بهم، فلقد اصطفَّ الشَّبَبة المحتسبون خلف شيوخهم، منْضَوين تحت رايتهم، مدافعين عنهم، صامدين معهم ضدّ هجمات الصحف "مبعثرة الولاء"، ولقد آذن فجرُ الفتنة بميلاد علماء وطلاب علمٍ وقفوا وقْفة صدقٍ مشكورةٍ، ضِدَّ تمرير هذه الفتنة .. أو حتّى إضفاء الشرعية عليها، ومحاولة التغاضي عنها، استجابةً للميثاق العظيم الغليظ: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران 187].

ثالثاً: تبيّنت حقيقة "المناصب" في هذه الفتنة؛ حيث تابع الجميع، مداخلاتٍ "مدخولة" من ثلّةٍ معيّنة؛ كان الدافع وراء استجلاب حديثهم هو تلك: "المناصب الرسمية"، والتي يستوي فيها الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وكان حديثهم حينها إنشائيّاً بارداً اكتفى بتسويغ المنكر الحاصل، وتطعيمه بانتقاص العلماء المحتسبين، ومشايخنا الغيورين -وفقهم الله وسدّدهم-.

ولقد نسيَ أولئك أو تناسَوا أن للحقِّ نوراً يُلبسه الله إيّاه، يراه أهل الإيمان ببصائرهم التي رزقهم الله - تعالى إيّاها.

رابعاً: تجلّت في هذه الفتنة سنّة الله تعالى في أوليائه من علماء الصدق والنصيحة وحسن البيان، حيث جرت سنته، واقتضت حكمته؛ أن يبتلي عباده ويمحّص قلوبهم، فكان أنْ ضحّى بعضهم بمنصبه الذي أُبعِد عنه، أو عرضه الذين صار كلأً مباحاً لزوّار السفارات، ومراهقي الكتابات الورقية، وكان في هذا خير درسٍ وعبرةٍ للنّاس في سلوك سبيل أهل الإيمان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت 2].

خامساً: ظهور حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلقد استوعب النّاس بجلاء كُنْه هذه الشعيرة، وغايةُ مُراد الله تعالى منها، حيث المراد "الإعذار إلى الله تعالى" بالدرجة الأولى، ثمّ بعد ذلك: تغيير الواقع المُخالف - ما أمكن، وهو مصداق قول الحقّ تبارك وتعالى في محكم آي الكتاب: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف 164].

طور بواسطة نورين ميديا © 2015