وجاءهم مالا يعهد لهم مثله اجتمعوا وانتحوا، وكان القومص قد باينهم - كما ذكرنا -، فدخل عليه الملك، ورمى نفسه عليه، فدخل معهم ووافقهم، فصففوا راياتهم بصفورية، وحشدوا وجمعوا جموعهم، وجاءتهم الأمداد من سائر بلادهم الساحلية، وجمعت عبرتهم خمسين ألفا، ورفعوا صليب الصلبوت (?)، وهو قطعة من الخشبة التي يدعون أن المسيح عليه السلام صلب عليها.
وانتظر السلطان بروزهم للمصاف فلم يبرحوا من صفورية، فقصد طبريّة - كما ذكرنا -، وفتحها، وامتنعت القلعة، وبها زوجة القومص؛ ولما بلغه افتتاح بلده قامت قيامته، وقال للفرنج:
" لا قعود لنا بعد اليوم، وإذا أخذت طبرية ذهبت منا البلاد بأسرها ".
فوافقوه ورحلوا بجموعهم نحو السلطان ليمنعوه من أخذ قلعة طبرية، ولما بلغ السلطان حركتهم نحوه سر بذلك، لأنه كان مقصوده لقاهم، وإطفاء جمرتهم، إذ علم - رحمه الله - أنه لا يتيسر له أخذ [274] البلاد إلا بعد ذلك، فترك على طبريّة من يحفظ قلعتها، ولحق العسكر هو ومن معه، والتقى (?) العسكران على سطح جبل طبريّة الغربى منها، وحال الليل بين الفئتين، وباتا على مصاف، شاكين في السلاح إلى صبيحة (?) الجمعة، وهو الرابع والعشرين من ربيع الآخر، فركب العسكران وتصادما، وذلك بأرض تسمى اللوبيا، ولم يزل الحرب بينهم إلى أن حجز الظلام، فبات كل فريق في سلاحه.