وأُذِّنَ فيهم بالرَّحيلِ وأعلِمُوا

ورَاحُوا إلى رَميِّ الجَمارِ عَشِيَّةً ... شِعارُهُم التَّكبيرُ واللهُ معهُمُ

فَلَو أَبْصَرَتْ عيناكَ موقِفَهُم بها ... وقد بَسطُوا تلكَ الأكفَّ لِيُرحَمُوا

يُنَادُونَهُ: يا ربُّ، يا رَبُّ، إِنَّنَا ... عبيدُكَ لا نَدعُو سواكَ وتَعلَمُ

وهَا نحن نرجُو منكَ ما أنت أَهْلُهُ ... فأنتَ الذِي تُعطِي الجَزيلَ وتُنعِمُ

ولما تَقضَّوا من مِنَى كلَّ حاجةٍ ... وَسَالتْ بهم تلكَ البِطاحُ تقدمُوا

إلى الكَعبَةِ البيتَ الحرامِ عَشيَّةً ... وَطافُوا بها سَبعًا، وصلُّوا وسلَّمُوا

ولما دَنَا التَّوديعُ منهم وأيقنُوا ... بأنَّ التَّدانِي حَبلُهُ مُتصرِّمُ

ولم يَبقَ إلاَّ وقْفَةٌ لِمودِّعٍ ... فلله أَجْفَانٌ هناكَ تَسْجُمُ

ولله أكبادٌ هنالك أُوْدِعَ الـ ... غَرامُ بها فالنَّارُ فيها تَضرَّمُ

ولله أنفاسٌ يكادُ بِحرِّهَا ... يَذُوبُ المُحِبُّ المُسْتَهَامُ المُتَيَّمُ

فَلَمْ تَرَ إلاَّ بَاهِتًا مُتحيِّرًا ... وآخرَ يُبدِي شَجوَهُ يَترنَّمُ

رَحلتُ، وأَشْواقِي إليكُم مُقِيمَةٌ ... ونارُ الأَسَى مِنِّي تُشَبُّ وتُضرمُ

أودِّعكُم والشَّوقُ يَثْنِي أَعِنَّتِي ... وَقَلْبِي أَمْسَى في حِمَاكَمْ مُخَيِّمُ

هُنالِكَ لا تَثْرِيْبَ يَومًا علَى امْرئ ... إذا مَا بدَا منه الذي كان يَكْتُمُ

فَيَا سائقينَ العِيسَ، بالله رَبِّكُم ... قِفُوا لي عَلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ وسَلِّمُوا

قُولُوا مُحِبٌّ قادَهُ الشَّوقُ نحوكُم ... قَضَى نحبهُ فيكم تَعيشُوا وتَسلَمُوا

قَضَى الله رَبُّ العَرشِ فيمَا قَضَى بِه ... بأنَّ الهَوَى يُعمِي القُلوبَ ويُبْكِمُ

وحُبُّكُم أَصلُ الهُدى، ومَدارُهُ ... عليه وفوزٌ للمحبِّ ومَغنَمُ

وَتَفْنَى عِظَامُ الصَّبِّ بَعدَ مَمَاتِهِ ... وَأَشوَاقُهُ وقفٌ عليه مُحرَّمُ

فَيَا أَيُّهَا القَلْبُ الذِي ملكَ الهَوَى ...

طور بواسطة نورين ميديا © 2015