عَظِيمَةٌ لِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَدَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ دِينِهَا وَرُجْحَانِ عَقْلِهَا وَقُوَّةِ يَقِينِهَا، تَعْنِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ قَدْرَ الطَّعَامِ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَصْلَحَةَ لَمَا فَعَلَهَا، (فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ) ، أَيْ: مُسَارِعًا (حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ) ، أَيْ: حَتَّى دَخَلَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَالنَّاسُ وَرَاءَهُمَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ) . أَيْ: عَجِّلِي وَأَحْضِرِي (مَا عِنْدَكِ) . أَيْ مِنَ الْخُبْزِ (فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : أَوْ أَبَا طَلْحَةَ أَوْ غَيْرَهُ بِالْخُبْزِ يَعْنِي بِتَفْتِيتِهِ (فَفُتَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمَاضِي أَيْ: جُعِلَ فَتِيتًا أَيْ قِطَعًا صِغَارًا مَفْتُوتًا قَالَ شَارِحٌ: أَوْ هُوَ أَمْرُ مُخَاطَبٍ، وَلَعَلَّ تَقْدِيرَهُ فَأَمَرَ بِهِ وَقَالَ: فَفُتَّ (وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِمَدِّهَا، أَيْ: جَعَلَتْ مَا خَرَجَ مِنَ الْعُكَّةِ وَهُوَ السَّمْنُ إِدَامًا لِذَلِكَ الْفَتِيتِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ) : أَيْ فِي ذَلِكَ الْخُبْزِ مَعَ الْإِدَامِ أَوْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) ، أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ أَوِ الْأَسْمَاءِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ قَالَ: بَاسِمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهِمَا الْبَرَكَةَ. ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: لِأَبِي طَلْحَةَ أَوْ لِأَنَسٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) : وَإِنَّمَا أَذِنَ لِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ لِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِمْ، فَإِنَّ الْقَصْعَةَ الَّتِي فِيهَا الطَّعَامُ لَا يَتَحَلَّقُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ لِبُعْدِهَا عَنْهُمْ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَأْذَنْ لِلْكُلِّ مَرَّةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى طَعَامٍ قَلِيلٍ يَزْدَادُ حِرْصُهُمْ عَلَى الْأَكْلِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَا يُشْبِعُهُمْ، وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ يَمْحَقُ الْبَرَكَةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْجَلِيلَ إِذَا أَبْصَرُوا الطَّعَامَ الْقَلِيلَ لَآثَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَوِ اسْتَحْيَوْا مِنَ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ، وَاسْتَقَلُّوا فِي أَكْلِهِمْ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مُرَادُهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الشَّجَاعَةِ، وَعَلَى أَدَاءِ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: لِضِيقِ الْمَنْزِلِ، (فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ لِعَشَرَةٍ) أَيْ: وَهَلُمَّ جَرًّا (فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْجَزْمُ بِالثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ أَرْبَعُونَ وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّغَايُرَ، وَأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ. قُلْتُ: الْقَضِيَّةُ مُتَّحِدَةٌ، وَالْجَمْعُ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَرْبَعُونَ أُخَرُ مِمَّنْ كَانُوا وَرَاءَهُمْ، أَوْ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعَاءَهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) : فَدَخَلُوا فَقَالَ: (كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ، فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ) ، أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ أَكْلِ أَصْحَابِهِ (أَكَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَتَرَكَ سُؤْرًا) : بِضَمِّ سِينٍ وَسُكُونِ هَمْزٍ وَيُبْدَلُ، وَجَزَمَ الْتُورِبِشْتِيُّ وَقَالَ: هُوَ بِالْهَمْزِ أَيْ بَقِيَّةٌ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . أَيْ: مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لِلْأَرْبَعِينَ الْأُخَرَ، لِيَحْصُلَ بَرَكَتُهُ لِلطَّرَفَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، أَوِ الْمَعْنَى ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْكُلِّ أَكَلَ، (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) ، أَيْ: أَتَفَكَّرُ وَأَتَرَدَّدُ وَأَتَأَمَّلُ (هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ) ؟ أَيْ أَمْ لَا. فَلَا يَظْهَرُ نَقْصٌ أَصْلًا.