وكُلٌّ إلى طبعِه عائدٌ ... وإن صدَّه الصّدُّ عن قَصْدهِ
كما الماء من بعد إسْخانِه ... يعودُ سريعًا إلى بَرْدِهِ
وأحسنُ من هذا، قولُ بعض عوامِّ بغداد في كان وكان (?):
الشوك لو سقيته يحمل ما ورد عرق ... ما يرجع إلا إلى أصله ويحمل الخرنوب
وقال آخر: أجودُ الناس من جاد عن قلَّة.
أخذه حمّاد عَجْرد فقال من أبيات: [من البسيط]
بُثَّ النَّوالَ ولا يَمنَعْكَ قِلَّتُه ... فكلُّ ما سدَّ فَقْرًا فَهْو محمودُ
إذا تكرَّمْتَ عن بَذْلِ القليل ولم ... تَقدِرْ على سَعَةٍ لم يَظهَرِ الجودُ
إن الكريمَ لَيُخفي عنك عُسْرتَه ... حتى تَراه غنِيًّا وَهْوَ مَجْهودُ
وللبخيلِ على أموالِه عِلَلٌ ... زُرْقُ العيونِ عليها أوجُهٌ سُودُ (?)
وقال آخر: إنَّ ذا المروءة لَيكونُ خامِلَ الذِّكْر، فتأبى له مروءتُه إلا أن يَستَعليَ؛ كالشُّعلة من النار يصونُها صاحبها وهي تأبى إلا ارتفاعًا، وإن ذا الفضائل لا يَخْفَى فَضْلُه وإنْ أخفاه، كالمِسك يُخفيه صاحبُه فلا يمنَعُه ذلك أن يفوح ريحُه.
وقال آخر: لا ينبغي للعاقل أن يُرى إلا في مكانين: إمّا معَ الملوك مكرَّمًا، وإما مع العُبَّاد مُتبتِّلًا (?).
ومن أمثال الهند في الدُّنيا وآفاتِها، قالوا: مَثَلُ الإنسان المغرور بالدنيا، مثلُ رجل ألجأه الخوفُ إلى بئر، فتدلَّى فيها، وتعلَّق بغُصْنَيْن نابتَيْن على شفير البئر، فوقعَتْ رِجلاه على شيء، فنظر فإذا أربعُ حياتٍ قد أطلَعْنَ رؤوسهنَّ من حُجرتهنَّ، ونظر أسفلَ