قلت: والذي ذكره جدي صحيح، وقد كان قادرًا على أنْ يُعرِّفَهم بنفسه، ولو فعل ذلك ما قطعت يده، ثم هذا أمرٌ لا يوافقه الشَّرعُ عليه ولا العقل، أما الشرع فإنه لو سرق جميع فواكه الدنيا لم يجب عليه القَطْع، وأما العقل فالله تعالى أكرم من أن يُعذِّب عبدًا على تناول عنقود من البُطْم، وقد كان يكفيه التوبة والاستغفار، ولكن نرجع إلى الأقدار؛ فإنه يحتمل أنَّه لو عرَّفهم بنفسه لم يُطلقوه، وأنَّ الله طمس على أعينهم حتَّى أنفذ فيه أمرَه.
وقد روى الحافظ ابن عساكر الحكاية وقال فيها: إنهم لما أخذوني وأنا ساكتٌ، وقد كانوا يعرفونني، ولكنْ طمس الله على قلوبهم حتَّى أنفذ أمره في يدي، قال: فلما أرادوا أن يقطعوا رجلي كشف الله لهم فعرفوني (?)، وكلُّ مَقدورٍ كائن لا مَحالة.]
وقال ابن عساكر في تمام الحكاية: قال أبو الخير: ثم أغْلَوا الزَّيت ليدي فلم أفعل، ودخلتُ غارًا فبتُ فيه بليلةٍ عظيمة، فرأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فأخذ يدي المقطوعة فقبَّلها، فأصبحتُ ولا أجدُ للقطع ألَمًا وعوفيتُ (?).
[قلتُ: وقد عوَّضه الله، وكان يَسُفُّ الخُوصَ باليد المقطوعة، فذكر جدي في "المنتظم" عن محمد بن الفضل قال: ] (?) خرجتُ من أنطاكية إلى التِّينات، فدخلتُ على أبي الخير على غَفْلة [منه بغير إذن]، فإذا هو يسفُّ زنْبيلًا بيده (?)، فعجبتُ، ونظر إليَّ وقال: يا عدوَّ نفسِه، ما الَّذي حملَك على هذا؟ قلتُ: هَيَجان الوَجْد لِمَا بي من الشَّوق إليك، فضحك ثم قال لي: اقعُد ولا تَعُد إلى مثلها، واستر عليَّ أيام حياتي.
[وروى الحافظ ابن عساكر عن] إبراهيم بن عبد الله قال (?): دخلت على أبي الخير مسجدَه وهو يحدِّث شخصًا، فقال: اخرج ورُدَّ الباب، فخرجتُ وجلستُ على الباب طويلًا، وكانت لي إليه حاجة فقلت: إنْ كانا في سرٍّ فقد فَرَغا، فدخلتُ فلم أجد عنده