لهم بأرزاق أربعةِ أشهر، وأمر للقوَّاد والخواصِّ بالجوائز والصِّلات، فسكنوا وانصرفوا.
ثم وجَّه الأمينُ عبدَ الرَّحمن بن جَبَلةَ الأنباريَّ (?) لحرب طاهرٍ في عشرين ألفًا من الأنبار، وقوَّاه بالأموال والسلاح، وولَّاه ما بين حُلوانَ إلى ما غلب عليه من أراضي خراسان، وندب معه أهل التدبير والنَّجدة، فسار حتى سبق طاهرًا إلى هَمَذان، فنزل بها وخندق عليها، وحصَّنها وسدَّ ثُلَمها، واستعدَّ للقاء طاهر, وجاء طاهرٌ فحصره، فكان يخرج ويقاتله، وأقام أيَّامًا على القتال، وقطع عنهم المادَّة، وتأذَّى أهل همذانَ بالحصار، وخاف عبدُ الرَّحمن أن يثبوا به، فأرسل إلى طاهرٍ فطلب الأمانَ له ولمن معه، فأمَّنهم، فخرجوا من همذان، واستولى طاهرٌ عليها.
وفي رواية: قال عبدُ الرَّحمن لأصحابه: واللهِ إنَّ القتل أهونُ عليَّ من أمان طاهرٍ أو الهزيمة، ولكن اخرجوا بنا فلْنقاتل، فإنْ مِتنا متنا كرامًا، فخرج بخواصِّه فاقتتلوا، فترجَّل هو وأصحابُه [وكسروا] (?) جفونَ سيوفهم وقاتلوا، فقُتل عبدُ الرَّحمن، وكان شجاعًا، وقال بعض أصحابه يرثيه: [من الطويل]
ألَا إنَّما تبكي العيون لفارسٍ ... نفى العارَ عنه بالمَناصِل والقَنَا
تجلَّى غبارُ الموت عن حُرِّ وجهه ... وقد أحرز العَلْياءَ والمَجدَ واقْتَنى
فتًى لا يبالي إنْ دنا من مُروءَةٍ (?) ... أصاب مَصونَ النَّفس أو ضَيَّع الغِنى
يقيم لأطراف الذَّوابل (?) سُوقَها ... ولا يَرْهَبُ الموتَ المُتاحَ إذا دنا
وقال الطبري: إنما قُتل عبد الرَّحمن بحُلوان، تبعه عسكرُ طاهرٍ فقاتل حتى قُتل، ورجع عسكرُه إلى بغداد، واستولى طاهرٌ على همذان، وطرد عمَّال محمَّد عن الجبال وتلك النواحي، ولم يبقَ لمحمَّد إلَّا من بغدادَ إلى حُلوان (?).