من أهل المدينة. [ذكر له الخطيبُ حكايةً عن] محمَّد بن إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيك المدني [قال] (?): كان [عندنا بالمدينة رجلٌ مُصاب من جُهينةَ يقال له: أبو نصر] يجلس مكانَ أهل الصُّفَّة من مسجد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكلِّم أحدًا، فإذا سئل عن شيءٍ أجاب بجوابٍ حسن، [قال: ] فقلت له يومًا: يا أبا نصر، ما الشَّرَف؟ فقال: حملُ ما ناب العشيرة، أدناها وأقصاها، والقبولُ من محسنها، والتجاوزُ عن مسيئها، قلت: فما المروءة؟ فقال: إِطعام الطعام، وإِفشاء السلام، وتوقِّي الأدناس، قلت: فما السَّخاء؟ قال: جهد المُقِلّ، قلت: فما البخل؟ فقال: أفّ، وحوَّل وجهه عني، فقلت: أما تجيبني؟ فقال: قد أجبتك.
قال: وقدم علينا هارون حاجًّا، فأُخلي له المسجد، فوقف على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى منبره وفي موقف جبريل، واعتنق أُسطوانة التوبة (?) ثم قال: قِفوا بي على أهل الصُّفَّة، فأتاهم، فحرِّك أبو نصر وقيل له: هذا أميرُ المؤمنين، فرفع رأسَه إليه وقال: أيها الرجل، إنَّه ليس بين عبادِ الله وأمَّة نبيِّه وخلقِه غيرُك، وإنَّ اللهَ سائلك، فأعدَّ للمسألة جوابًا، وقد قال عمرُ بن الخطاب: لو ضاعت سَمخْلةٌ (?) بشاطئ الفرات لَخفت أن أُسألَ عنها، [قال: ] وهارون واقفٌ يبكي، ثم قال: يا أبا نصر، إن رعيَّتي ودهري غيرُ رعيةِ عمر ودهرِه، فقال له: هذا واللهِ غير مُغْنٍ عنك، فانظر لنفسك، فإنَّك وعمرَ تُسألان عمَّا خوَّلكما الله فيه.
فدعا هارونُ بثلاث مئةِ دينار وقال: ادفعوها إلى أبي نصر، فقال: لا أريدها، فقال: فرِّقها في أهل الصُّفَّة، فقال: ادفعها إلى غيري يفرِّقْها، وإنما أنا رجلٌ منهم.
وكان أبو نصر يمشي (?) كلَّ يوم في أزقَّة المدينةِ ويَعِظُ الناس، ثم يُلازم المسجدَ إلى الليل.