واتَّخذ هارونُ في هذه الغَزاةِ القَلَنسوة، وكتب عليها: حاجٌّ غازٍ، فكان يَلبَسها، وقال أبو المعلَّى (?) الكلابي: [من الوافر]
فمَن يَطلبْ لقاءَك أو يُرِدْهُ ... فبالحَرمَين أو أَقصى الثُّغورِ
ففي أرض العدوِّ على طِمِرٍّ ... وفي أرض البَرِيَّة (?) فوقَ كُورِ
ولمَّا عاد الرشيدُ من الرُّوم، بعث إليه نقفورُ بالجزية عن رأسه ورؤس أهله وبَطارِقَتِه وسائرِ أهله وبلدِه خمسين ألفَ دينار، عن رأسه أربعةَ دنانير، وعن ابنه إستبراقَ (?) دينارين، وعن كلِّ رأسٍ من بطارقته دينارًا (?). وكانت جارية من أهل هِرَقْلَةَ قد سُبيت، فكتب نقفورُ إلى الرَّشيد: أمَّا بعد: أيُّها الملك، فإن لي إليك حاجة لا تضرُّك في دِينك ودُنياك، هيِّنةً يسيرة، أن تهبَ لي جاريةً من بنات هرقلةَ كنتُ خطبتُها على ابني، فإن رأيتَ أن تُسعِفَني بحاجتي فعلتَ. واستهداه سُرادقًا وطيبا ودِرياقًا (?). فجهَّز الرشيد الجاريةَ في سُرادق كان نازلا فيه، وأعطاها الحُلِي والحُلَلَ والجواهر والفُرش والطّيب والدّرياق، وبعث إليه هدايا وألطافًا، وشرط عليه ألا يَعْمُرَ هِرَقْلَة، وأن يبعثَ إلى الرشيد في كلِّ سنة ثلاثَ مئة ألفِ دينار.
وقال الهيثم: نازل هرَقلةَ فاستصعب أمرُها، فقال في نفسه: الحربُ خَدْعَة، فنادى في الناس: اِقطعوا الصخورَ وابنُوا فهذه دارُ مُقام، فشرعوا في ذلك، فلمَّا رأى أهلُ هرقلةَ ذلك، جعلوا ينزلون من السُّور في الليلِ في الجبال، فلما قلَّ أهلُها، نصب عليها المَجانيق، وجدَّ في القتال، ففتحها عَنوة، ووجد بها جارية فائقةَ الجمال، فاتَّخذها لنفسه، فلمَّا عاد إلى الرَّافِقَةِ، بنى لها حِصْنًا بين الرافقةِ وبالِس (?)، وسماه هرقلة،