ثم غفا وتصبَّبَ عرقًا، وبكى في نومه بكاءً طويلًا حتَّى علا نحيبُه، ثم تبسَّم واستيقظ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا البكاء والتبسُّم؟ ! فقال: إني أغفَيتُ، فرأيتُ في منامي كأنَّ القيامةَ قد قامت والناس مئة وعشرون صفًّا، أمَّةُ محمد - صلى الله عليه وسلم - منها ثمانون صفًّا ينتظرون الحساب، وإذا بمنادٍ ينادي: أين ابنُ أبي قُحافة؟ فجيء به، فحُوسب حسابًا يسيرًا، ثم أُمر به إلى ذات اليمين، ثم جيء بعمر وعثمان وعلي، ففُعل بهم كذلك، ثم نودي: أين عُمر بن عبد العزيز؛ فجيء بي، فُحوسبتُ على القليل والكثير والفتيل والنقير، وغُفر لي وأُمر بي ذات اليمين، فبكَيتُ خوفًا، وتبسَّمتُ فرحًا، ومررتُ في طريقي بجيفة؛ فحركتُها برجلي وقلت: من أنت؟ فقال: الحجَّاج بنُ يوسف الثقفيّ. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: قدمتُ عليه، فقتلني بكل قَتْلةٍ قتلتُ قَتْلَةً، وبقتلة سعيد بنِ جُبير سبعين قتلةً، فمن أنت؟ قلت: عمر بن عبد العزيز. قال: فما فعل الله بك؟ قلت: غُفر لي وللخلفاء الأربعة. قال: فالباقون؟ قلت: لا علم لي بهم. ثم قلت: ما تنتظر أنت ها هنا؟ قال: أنتظرُ ما ينتظر الموحِّدون، إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النار.
قال أبو حازم: فعاهدتُ الله أن لا أقطعَ لأحدٍ من أهل القبلة بجنَّةٍ ولا نار (?).
قال عمر لأبي حازم: ارفَعْ إليَّ حوائجَك. فقال: قد رفعتُها إلى من لا تُختزَلُ الحوائج دونه، فما أتاني منها قنعتُ، وما منعني منها رضيتُ، وإني نظرت في هذا الأمر فإذا هو شيئان؛ أحدهما لي، والآخر لغيري، فأمَّا ما كان لي فلو احتلتُ بكلّ حيلة ما وصلتُ إليه قبل أوانه الَّذي قدِّر لي، وأمَّا الَّذي لغيري فلا أطمع فيه، وكما مُنع غيري من رزقي؛ فكذا مُنعتُ من رزق غيري، فعلام أُتعبُ نفسي (?)؟ !