يا عُمر الخيراتِ والمكارمِ ... وعُمرَ الدَّسائعِ (?) العظائمِ
إني امرؤٌ من قَطَن بنِ دارمِ ... أطلبُ دَيني من أخي مَكارِمِ
شهادتي واللهُ خيرُ عالمِ ... عند أبي يحيى وعند سالمِ
فقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدويّ عندي شهادةٌ. فقال عُمر: أعرفُها. ثم قال: يا دُكين، ادْنُ منِّي. فدنوتُ منه فقال: أنا كما قلتُ لك، لي نفسٌ توَّاقة لم تزل تتوق إلى الإمارة حتَّى نلتُها، فتاقَت إلى غاية ما في الدنيا، وهي الخلافة، وها هي تتوق إلى الآخرة.
ثم قال: والله ما رزأتُ من أموال المسلمين شيئًا، وما عندي إلا هذه الألف درهم، فخُذْها. فأخذتُها، فبارك الله لي فيها.
وأنشد عمر - رضي الله عنه - يومًا قول الأحوص:
سيبقى لها في مضمر القلب والحَشَا (?)
فقال: قاتله الله ما أغفله عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9].
ونفى الفرزدق من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أيُنْشِدُ الهجوَ بحضرة رسول - صلى الله عليه وسلم - الله؟ !
وقال أبو سريع الشامي: قدم وفد من أهل العراق لما استخلف عمر وفيهم غلام فتكلَّم، فقال عمر: الكبيرَ الكبيرَ. فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمرُ بالكِبَر؛ لكان في هذه الأمة من هو أكبر سنًّا منك، وإنَّما المرءُ بأصغَرَيهِ قلبِه ولسانِه. قال: صدقت، تكلَّم. قال: نحن وفدُ الشكر، لا وفدُ الرَّهبة والرغبة، أما الرغبة فقد أتَتْ إلينا منك في بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنَّا بعَدْلِك من جَوْرك، فالحمد لله الَّذي منَ علينا بك. فقال عمر: يا غلام، عِظْني وأوْجِزْ. فقال: إن أناسًا غرَّهم حلمُ الله عنهم، وحُسنُ الثناء عليهم، وطولُ آمالهم، فلا يغرَّنَّك ذلك فتزلَّ قدمُك (?).