ورجع صلاحُ الدِّين، فنازل حِصْن [بارين] (?)، فأخذه من فخر الدِّين مسعود بن الزَّعْفَراني، وكان من أكابر أُمراء نور الدِّين، وأعطى مدينةَ حماة لخاله، وقيل: لابن خاله وصهره ابنِ شهاب الدِّين محمود، وأعطى حِمْص لناصر الدِّين محمّد بن شيركوه، وجاءته رُسُل حلب، واتَّفق الحال أن يكون بدمشق نائبًا عن الملك الصَّالح، فأجابهم، وشفع في بني الدَّاية، وقال: لابُدَّ منهم، فلهم علينا حقوقٌ أكيدة، فقالوا: نَعَمْ، وفارقوه على ذلك، وجاءته الخِلَع والتَّشريفات من الخليفة ولأَهْله، ولقِّب بالملك النَّاصر.
وفيها وصلتِ النَّبوية (?) من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا بُزَاعة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق، ومعهم الغنائم، والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف أُذُن.
وبعث صلاح الدين العساكر، فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سَرْمين ومعرَّة مصرين و [ضياع] (1) جبل السُّمَّاق، وقتلوا مُعْظم أهله.
وفيها استخدم صلاحُ الدِّين العمادَ الكاتب؛ وسببه أَنَّه التقى الفاضل على حِمْص، ومدحه بأبياتٍ منها: [من الكامل]:
عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شَمْ ... ـسَ فضيلةٍ وَوَرَدْتُ بحرَ فواضِلِ
ورأيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحبًا ... ببيانه ذَيلَ الفَخَارِ لوائلِ
حِلْف الحصافة والفصاحة والسَّما ... حةِ والحماسة والتُّقى والنَّائل
بحرٌ من الفَضْل الغزير خِضَمُّهُ ... طامي العُباب وما لَهُ من ساحلِ
في كفِّه قَلَمٌ يعجِّلُ جَرْيُه ... ما كان من أجلٍ ورِزْقٍ آجلِ
أبصرتُ قُسًّا في الفصاحة معجزًا ... فعرفتُ أَنِّي في فهاهة باقِلِ